مقتطفات من خطاب رئيس الجمهورية في معهد العالم العربي في باريس بتاريخ 15 كانون الثاني 2015.

- مقتطفات من خطاب رئيس الجمهورية في معهد العالم العربي في باريس بتاريخ 15 كانون الثاني 2015.

- نحن كلّنا متّحدون إذن في مواجهة الإرهاب. هذه هي الرسالة التي بعثت بها شابة سورية تدعى زينه ابراهيم من خلال كتابتها على شبكات التواصل الاجتماعي ووضعها صورة تمّ تداولها على نطاق واسع. كانت هذه الفتاة السورية الشابة تقف بين الركام في حلب رافعةً لافتةً كتب عليها "أنا شارلي" تعبيراً عن رفضها لكل أشكال البربرية. هل هناك صورة تحمل رمزية أجمل من هذه في ذلك المكان المنكوب ألا وهو مدينة حلب في سوريا التي تفتك بها الحرب منذ وقت طويل؟ هل هناك رمزية أجمل من أن يتم التعبير عن التضامن رغم المآسي وهذا الصمود الذي عبرت عنه من أجل إذكاء الأمل؟ هذا هو ما يجمعنا.

هذه هي الرسالة التي بعث بها أيضاً العديد من أصدقائنا العرب خلال الأيام الماضية سواء من خلال المشاركة بشكل مباشر في مسيرة 10 كانون الثاني أو من خلال ألف طريقة أخرى تتمثل بأشكال المساندة المتعددة. أودّ أن أشكرهم من صميم قلبي لأن حضورهم لم يكن مفيداً فقط بل كان ضرورياً أيضاً. وهذا الحضور دلّ أيضاً على تمسكنا المشترك بما يجب أن يتيح لنا أن نمضي قدماً وشكّل تعبيراً عن التضامن وعن وعي مشترك على ضفتي المتوسط يشير إلى أن هناك مصيراً يجمعنا.

ما الذي يجب فعله حتى يكبر ويزدهر كل ما يجمع أوروبا والعالم العربي؟ يجب كي نحقق هذه الغاية أن نكون واضحين فيما بيننا. لقد تغذى التطرف على كل التناقضات وكل التأثيرات وكل المآسي وكل أشكال عدم المساواة وكل النزاعات التي لم يتم تسويتها منذ زمن بعيد. والمسلمون هم أول ضحايا التعصّب والتطرف وغياب التسامح. كما يجب أن نذكّر، كما أذكر دائماً حيثما حللت في أرجاء العالم العربي، أن الإسلام منسجم مع الديموقراطية وأنه يجب علينا أن نرفض الخلط بدايةً في فرنسا.

للفرنسيين المسلمين ذات الحقوق والواجبات المترتبة على المواطنين الآخرين. ويجب حمايتهم. وتساهم العلمانية بذلك لأنها تحترم كافّة الأديان. كما أن المدرسة في الجمهورية الفرنسية هي أيضاً مكان للتنوير وللمعرفة. يتم تعليم التاريخ فيها، وأنا أتكلم عن تاريخ الأديان كي نعرف من أين أتينا وما هي الآمال المشتركة التي تحملها أدياننا.

يجب أن نبيّن أيضاً أن نظام الجمهورية يجب أن يطبّق بشكل صارم على من يهاجموا أماكن العبادة، كافّة أماكن العبادة، شواء كانت كنساً أم مساجد أم كنائس كما يجب علينا أن نلاحق كافة الأعمال التي تشكك بدين ما. يجب أن نستنكر وأن نعاقب بشدة الأفعال المرتكبة ضد المسلمين وتلك المعادية للسامية.

لقد تكوّنت فرنسا من خلال تحركات سكانية وتدفقات من الهجرة. لقد تكونت فرنسا مع التنوّع. العديد من مواطنينا لديهم صلات في العالم العربي، سواء في شمال إفريقيا أم في الشرق الأدنى. ويمكن أن يكونوا مسلمين أو يهود أو مسيحيين. يمكن أن يكونوا مؤمنين أو غير مؤمنين ولكن لديهم صلات تجمعهم بالعالم العربي وقد ساهموا، جيلاً بعد جيل، في تاريخ فرنسا.

أنا مدرك لخطورة الأزمات التي تتعرض لها أفريقيا والشرق الأوسط. هل يجب علي أن أذكر بها كلّها هنا؟ ليبيا، الصومال، العراق، سوريا، اليمن والعديد غيرها، من دون أن ننسى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي ما زال في طريق مسدود. والسكان المدنيين هم الضحايا دائماً. أول الضحايا هم النساء والأطفال ومن ثم الآخرون، أي الإنسانية جمعاء من دون تمييز. هناك جرائم ترتكب، جرائم شنيعة، جرائم مريعة. يتم تداول هذه الصور من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وينتهي المطاف بالبعض بأن يعتاد على مشاهد الفظاعة وأن يستلهم منها، حتى يصبح مصدراً لها.

هذا هو التهديد. وهو تهديد خطير. إذ تستفيد مجموعات إرهابية من الفوضى كي تهدد أمن العالم. ولهذا السبب فإن فرنسا تدرك بأن هذه التهديدات يمكن أن تصل إلينا. وقد شاهدنا ذلك خلال الأيام الماضية على أرض الواقع. كما أن فرنسا تدرك أيضاً بأنه يجب علينا أن نسوّي القضايا الكبرى التي تثير الفوضى والرعب. يترتب علينا واجب التضامن أيضاً مع الشعوب، مع الشعوب العربية.

الأمن إذن ضروري للشعوب العربية كي تحقق التجديد الذي تدعون إليه. هذا التجديد ماثل ايضاً. وهذا ما ستبينه مبادرتكم واجتماعكم. كل الشروط متوافرة كي يستمر العالم العربي في الإشعاع وكي يتمكن أيضاً من الازدهار. تجديد يحمله الشباب، تجديد تحمله النساء وهن أولى ضحايا النزاعات، وهن يناضلن أيضاً، ومنهن من يناضلن جسدياً، كي يسمعن صوتهن إلى البشرية.

اليوم يبلغ تعداد العرب 400 مليون نسمة. 60 بالمائة منهم تقل أعمارهم عن 25 عاماً، هذا أيضاً رهان يجب علينا التعامل معه أيضاً! فرنسا تريد أن تبني المستقبل مع سكّان بلدانكم. وهنا يكمن معنى أشكال التعاون المتعددة التي تقيمها. على الصعيد السياسي، تتميز فرنسا بميزة القدرة على التحدث إلى الجميع، كي تعبّر عن الخطاب ذاته، كي تقول الحقيقة ذاتها وكي تشجع الحوار وحل النزاعات، أي تحقيق السلام.

تم النشر في 22/01/2015

اعلى الصفحة