مقالة رأي مشتركة كتبها وزير الشؤون الخارجية والأوروبية، برنار كوشنير، والوزير الإسباني للشؤون الخارجية والتعاون، ميغيل أنخيل موراتينوس، ونشرتها صحيفة "لوموند" اليومية

JPEG - 27.9 كيلوبايت


(باريس، 23 فبراير/شباط 2010)

متى ستقوم الدولة الفلسطينية؟

يجب أن تساهم أوروبا في فتح أفق سياسي حقيقي

أتاح مؤتمر المانحين الدولي للدولة الفلسطينية، في 17 ديسمبر/كانون الأول 2007، جمع 7,7 مليار دولار لفائدة السلطة الفلسطينية إلى غاية عام 2010. وكانت تلك مبادرة لوضع الركائز الاقتصادية والمالية والمؤسساتية للدولة الفلسطينية المقبلة ودعم أسلوب السلام الذي اعتمده الرئيس عباس بتزامن مع افتتاح مؤتمر أنابوليس.
بعد مرور عامين عما سلف، وبينما خيبت عملية أنابوليس الآمال التي كانت معلقة عليها، حقق إرساء أسس الدولة الفلسطينية تقدما كبيرا، وأضحى، اليوم، بمثابة قاعدة متينة سيقوم عليها استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية من أجل التوصل لاتفاق للسلام.

يعود الفضل في التقدم الذي تحقق إلى عاملين أساسيين: أولا، النجاح المشهود به والمنقطع النظير، فيما يتعلق بمؤتمر مانحين، لمؤتمر باريس الذي أثمر عن الدفع الفعلي لمبلغ 5,5 مليار دولار (4,068 مليار يورو). ثانيا، وفاء مختلف الأطراف بالوعود التي تعهدت بها، مما خول تمويل ميزانية السلطة الفلسطينية وتنفيذ مشاريع التنمية والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للبلد.

وما كان تضامن المجتمع الدولي هذا ليجدي نفعا لولا عملية الإصلاح الثابتة والموثوقة التي انتهجتها السلطة الفلسطينية، والتي ترتكز على الشفافية المالية ومكافحة الفساد. وقد أظهرت الإصلاحات التي نفذتها حكومة رئيس الوزراء الفلسطيني، سلام فياض، منطقيا، القدرات الاقتصادية للأراضي الفلسطينية. فقد أصبحت المؤسسات تشتغل بصورة أفضل كما صار الحفاظ على أمن الممتلكات والأشخاص يجري بشكل أفضل، في وقت يشهد عودة المستثمرين من القطاع الخاص. على أنه يجب عدم الإغفال عن الدور الذي اضطلع به الانخفاض الملموس للحواجز أمام الحركة، التي يفرضها الجيش الإسرائيلي، والتعاون بين قوات الأمن الإسرائيلية والفلسطينية في عودة النمو الاقتصادي (8 بالمائة خلال عام 2009).

هل يكفي هذا؟ كلا، بطبيعة الحال. فرغم أن وضع ركائز الميزانية والركائز الأمنية والمؤسساتية للدولة الفلسطينية يسير بخطى حثيثة، يجب السعي لكي تصبح الدولة الفلسطينية واقعا على الصعيدين السياسي والدولي.
إن إنشاء الدولة الفلسطينية أصبح اليوم هدفا يسعى إليه الجميع. وقد أشادت فرنسا وإسبانيا، على سبيل الذكر، بخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي، السيد نتنياهو، بجامعة بار إيلان، وكذا بالإعلان عن تعليق عمليات البناء في المستوطنات، حتى وإن تعلق الأمر بقرار مؤقت ومحدود.

بيد أن العملية السياسية لازالت لم تأتي أكلها، رغم جهود جورج ميتشل. وثمة تباين واضح بين هذه العملية والجهود المالية للمانحين، لاسيما الإتحاد الأوروبي، التي تساهم بأكثر من 50 بالمائة في المساعدة المقدمة لفلسطين. والحال أن المعتدلين، في كلا المعسكرين، والمانحين بحاجة لمكافئتهم من خلال التوصل إلى فتح أفق سياسي حقيقي لمواصلة جهودهم.

ولم تفتأ أوروبا تعمل لتحقيق ذلك، بتنسيق مع الفلسطينيين والإسرائيليين، وبتعاون عن كثب مع الولايات المتحدة. ويعد لقاؤنا، رفقة كاثرين أشتون، بجورج ميتشل في بروكسيل، يوم 12 يناير/كانون الثاني، خير دليل على ذلك، فضلا عن اعتماد مجلس الشؤون الخارجية، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2009، لاستنتاجات طموحة حول الشرق الأوسط.

يجب على أوروبا، اليوم، تحمل مسؤولياتها. إذ يجب عليها العدول عن الاكتفاء بالتنبيه، الذي يعتبر لازما ولكنه غالبا ما يكون تعويذيا، بشأن مسائل الوضع النهائي التي لا غنى عنها: أمن إسرائيل المطلق والاعتراف في الوقت المناسب بدولة فلسطينية، ارتكازا على حدود 1967 مع تبادل للأراضي، والقدس كعاصمة للدولتين. يجب على أوروبا الآن المضي قدما عن طريق اقتراح ضمانات سياسية وأمنية ومالية لمساعدة الإسرائيليين والفلسطينيين على تجاوز "مخاطر السلام". فتسوية هذا الصراع الذي لانهاية له ضرورية. كما يجب على الاتحاد الأوروبي الاضطلاع بدور قوي في هذه التسوية، ليس فقط لأن الاتحاد صديق لإسرائيل والسلطة الفلسطينية، ولكن، بالخصوص، لأن استمرار الصراع تهديد لأمنه على المدى البعيد. إذ أن تهديدات أخرى في المنطقة، أكثر مبعثا للقلق، تستغل المأزق الفلسطيني للقيام بالدعاية والتضليل السياسي.

حان الوقت إذا لإعطاء ضمانات للطرفين بأن العملية التي تود أوروبا إطلاقها، عملية لا رجعة فيها. يجب طمأنة الشعب الإسرائيلي بأن أمنه وهويته اليهودية سيكونان مضمونان، ويجب بالمقابل، ضمان استرداد الشعب الفلسطيني لكرامته، عن طريق حصوله على الحق في العيش في دولة قابلة للحياة وديمقراطية ومستقلة.

وبغية النجاح في هذا التحدي، يجب أن تتعاون أوروبا مع شركائها في المجموعة الرباعية للسلام، الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة، ولجنة المتابعة لجامعة الدول العربية، التي تضم عدة بلدان عربية مهمة، مثل مصر أو الأردن. كما يمكن أيضا لأوروبا الاعتماد على المساهمة التي تمثلها المبادرة العربية للسلام. وفضلا عن "مباحثات القرب" التي هي ضرورية اليوم ولكن غير كافية، علينا أن نقترح جدولا زمنيا محددا للمفاوضات حول كافة مسائل الوضع النهائي (الأمن والحدود والمياه واللاجئون والقدس) وآلية تأطير جادة تستخلص العبر من أخطاء الماضي.

وابتداء من الآن، يمكن لأوروبا أن تعزز ميدانيا تدابير ثقة جريئة لدى كلا الطرفين، من أجل مساعدة متزامنة لاستئناف المفاوضات الذي يجب أن يبدأ سريعا. يمكن لأوروبا أن تستضيف أيضا مؤتمر قمة من اجل السلام يتيح تعزيز هذه الديناميكية وتأطيرها ويشجع على استئناف الاتصالات من اجل سلام نهائي بين سوريا ولبنان وإسرائيل.

وفي نهاية المطاف، ستعترف أوروبا جماعيا، كما سبق وأن تعهدت بذلك، بالدولة الفلسطينية لكي تصبح فلسطين أخيرا عضوا فاعلا حقيقا في مجمع الأمم، يعيش سكانه في أمن وسلام بجانب دولة إسرائيل. سنحتفل العام القادم بالذكرى العشرين لمؤتمر مدريد للسلام، الذي كان نقطة انطلاق مفاوضات السلام. لا داعي لتضييع المزيد من الوقت. يجب على أوروبا تمهيد الطريق. تلك هي الرسالة الأساسية التي تلقاها الرئيس عباس خلال زيارته لباريس يومي 21 و22 فبراير/شباط.

تم النشر في 19/01/2012

اعلى الصفحة