مقابلة السيد فرنسوا فيون، الوزير الأول للجمهورية الفرنسية مع صحيفة "الغد" اليومية الأردنية موعد ظهورها في الصحيفة : عدد يوم الاحد الموافق 21 شباط 2010

هناك توقعات عالية تجاه فرنسا التي هي من أوائل الشركاء الاقتصاديين للأردن حيث تتجاوز استثماراتها فيه المليار دولار. ماذا يمكن للمرء أن يأمل من زيارتكم للأردن ؟

أزور الأردن وبصحبتي ثلاثة وزراء من حكومتي، وبرلمانيين ووفد يضم عدة عشرات من الشخصيات القادمة من عالمي الثقافة والمؤسسات الاقتصادية ؛ إنني قادم لكي أعرض شراكة شاملة مع الأردن. أود أن أقول لجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين وإلى دولة رئيس الوزراء، السيد سمير الرفاعي ـ اللذين اشكرهما على استقبالهما الحار ـ بأننا مصممون على الوقوف بشكل دائم وثابت إلى جانب الأردن، لمساعدته على قبول تحدي التنمية الاقتصادية الخاص به. لقد اتسمت العلاقات بين بلدينا دائماً بثقة عميقة متبادلة، وهي على صورة ومثال العلاقات الشخصية القائمة بين الرئيس ساركوزي وجلالة الملك عبدالله الثاني.

لقد واكبت فرنسا خلال العقد الأخير الانفتاح والإصلاحات الاقتصادية للأردن وذلك بأن أصبحت المستثمر الأول غير العربي في هذا البلد. أرغب اليوم في فتح صفحة جديدة في علاقاتنا : صفحة الورشات الاستراتيجية في مجالات الطاقة والمياه والنقل، وهي مجالات حاسمة بالنسبة لاستقرار الأردن ومن أجل إشعاعه الاقليمي؛ وأيضاً صفحة التقنيات الجديدة التي كان الأردن سباقاً إليها وتعطي الدليل على قدراته في التجديد. إن إدخال خدمات الاتصالات الخلوية من الجيل الثالث إلى الأردن من خلال "أورانج" التي أقامت ايضاً في عمان مركزاً تكنولوجياً ذي دور اقليمي هو مثال جيد على ذلك.

وقع الأردن وفرنسا في عام 2008 اتفاق تعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، في حين باشرت شركة "أريفا" استكشاف مناجم اليورانيوم. ما هو التقدم المنتظر على صعيد هذا الملف ؟

بمناسبة زيارتي للأردن، سيتم التوقيع على اتفاقيتين مهمتين : عقد تعدين بين "أريفا" والحكومة الأردنية، والذي يشكل محطة كبرى في استثمار منجم اليورانيوم في منطقة وسط الاردن ؛ ومن ثم، بروتوكول اتفاق بين الحكومتين الفرنسية والأردنية بهدف إنشاء مركز للتميز ـ بناءً على طلب جلالة الملك ـ من أجل تدريب باحثين ومهندسين في مجالات الطاقة والمشاريع الكبرى.

لقد حققت المملكة تقدماً رائعاً ومعترفاً به من طرف الجميع، منذ أن اتخذ جلالة الملك القرار بتطوير مشروع كهرو ـ نووي عام 2007. سيشكل المؤتمر حول الوصول إلى الطاقة النووية السلمية ـ الذي تنظمه فرنسا في 8 و 9 آذار القادم في باريس والذي سيدعى الأردن إليه بطبيعة الحال ـ مناسبة لإظهار السمة النموذجية للشراكة التي نريد بنائها معاً.

عقد اجتماع في لاهاي يوم 26 كانون الثاني 2010 بين الاطراف المختلفة المعنية بمشروع ناقل البحرين (الأردن، السلطة الفلسطينية و إسرائيل) والبلدان التي تمول دراسات المشروع، خاصة فرنسا. هل ترى فرنسا بأن الدراسات مشجعة بصورة كافية لكي يتم الاستمرار في دعم المشروع ؟

أعلم جيداً إلى أي مدى تعتبر مسألة المياه حاسمة وملحة بالنسبة للأردن. وهذا ما يفسر تعهد الوكالة الفرنسية للتنمية بتمويل بلغ 200 مليون يورو في مشروع الديسي المخصص لتزويد عمان بالمياه الصالحة للشرب.
وللسبب نفسه، فرنسا هي واحد من المانحين الرئيسين لتمويل الدراسات التمهيدية التي انطلقت تحت رعاية البنك الدولي والمتعلقة بمشروع قناة البحر الأحمر ـ البحر الميت. إننا على وعي أيضاً بالدعم الضروري لكبار الممولين الدوليين والإقليميين من أجل إنجاح مشروع بهذا الاتساع: سوف تعتمد مصداقية المشروع على متانة دراسات الجدوى هذه. لقد تجاوبت عدة شركات فرنسية مع النداء الذي اطلقته وزارة الري والموارد المائية لإظهار الاهتمام بالمشروع حتى قبل ان تخرج هذه الدراسات إلى العلن. يعتبر هذا برهاناً على أن فرنسا تدعم تماماً هذا المشروع.

لقد دخل الأردن في مفاوضات مع الإتحاد الأوروبي من أجل الحصول على "وضع قانوني متقدم". ما هو الدور الذي يمكن لفرنسا أن تلعبه من أجل مساندة الأردن في هذه العملية ؟

إن دعم فرنسا هو أمر مقرر ومكتسب بالكامل : دافعنا باستمرار عن تقارب الإتحاد الأوروبي مع جيرانه المتوسطيين، من أجل قيام علاقة تقوم اكثر على الشراكة. وهذا ينطبق بشكل خاص على الأردن الذي كان حواره مع الإتحاد الأوروبي ممتازاً دائماً، بما في ذلك حول مسألة حقوق الإنسان. سوف ندعم بلا تحفظ جهود الرئاسة الإسبانية التي أعلنت عن تصميمها على تحقيق تقدم في هذا الملف كي يكون بالإمكان الانتهاء منه قبل نهاية السنة، إذا كان ذلك ممكناً.

إنها هذه الروح نفسها التي وجهت إنشاء الإتحاد من أجل المتوسط والذي يسرني بأن الأردن يرغب في الانخراط فيه بصورة نشيطة. حرصت بالطبع على تهنئة السلطات الأردنية على تعيين ممثلها في بروكسل، السفير أحمد المساعدة، في منصب الأمين العام للإتحاد. سوف يكون دوره حاسماً من أجل توحيد الطاقات وحشد التمويل من حول المشاريع الإقليمية الكبرى في قطاعات المياه والبيئة والطاقة والنقل التي سيستفيد منها الأردن بطبيعة الحال.

استأنفت الولايات المتحدة ـ حتى الان بدون نتيجة ملموسة ـ قيادة الجهود من أجل إعادة إطلاق مفاوضات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ما هو الدور الذي يمكن ان تلعبه فرنسا ـ والتي يعتبر الفلسطينيون والعرب بأن موقفها اكثر موضوعية ـ وكذلك دور اوروبا ؟

قبل أن أتحدث عن فرنسا، أود أن أقول كم هي الجهود التي يبذلها جلالة الملك عبدالله الثاني بلا كلل من أجل إعادة إطلاق المفاوضات هي جهود ثمينة وتحظى بالتقدير. نشاطر الأردن بوضوح الشعور بالضرورة العاجلة بعد أن كانت سنة 2009 سنة خاسرة بالنسبة للسلام. يجب عدم اجتياز هذا "الخط الذي لا يمكن رؤيته" الذي تطرق إليه الملك مؤخراً.

تعتزم فرنسا والإتحاد الأوروبي لعب دور من الطراز الاول في البحث عن حل للنزاع. انجزت خطوة هامة بعد إقرار الموقف المشترك للإتحاد الأوروبي، في كانون الاول الماضي، والذي عملت فرنسا كثيراً من أجل التوصل إليه، وهو الموقف الذي يستعيد الصيغة التي كان الرئيس ساركوزي قد استخدمها في الكنيست يوم 23 حزيران 2008 عندما صرح بأنه لن يكون هناك سلام بدون القدس عاصمة لدولتين.

نحن مصممون على العمل من أجل استئناف المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لدعم جهود الولايات المتحدة. إن التزامنا السياسي والمالي لصالح انبثاق دولة فلسطينية ثابت، لكن الدعم المالي لا يمكن له أن يحل محل تسوية سياسية. لهذا السبب يرغب الأوروبيون في إعادة إطلاق عاجلة للمفاوضات بهدف التوصل إلى حل يقوم على التعايش بين دولتين، دولة إسرائيل ودولة فلسطين المستقلة والديمقراطية ذات التواصل والقابلة للحياة، تتعايش في سلام وأمن. ندعم ـ من خلال مؤتمر المانحين في باريس في 2007 ومن خلال مساعدتنا المباشرة ـ مساعي الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء سلام فياض اللذين نحن على اتصال منتظم معهما. استقبلت السيد فياض قبل شهر وسأتحادث معه غداً في باريس، مثلما يحصل على كل حال لرئيس الجمهورية مع الرئيس عباس.

ألا تخشون بأن تعمق النقاشات التي جرت مؤخراً حول منع النقاب في فرنسا الهوة مع المواطنين الفرنسيين المعتنقين للإسلام ومع العالم الإسلامي بشكل عام، والذين يرون فيه اعتداءاً على الحريات الفردية والدينية ؟

لا شيء يمكن أن يكون أكثر سوءاً من خلط الأشياء مع بعضها البعض عند الحديث عن مسألة إرتداء الحجاب الكامل. إن الدين الإسلامي هو الثاني في فرنسا، وإنه لأمر مستبعد أن يتم التنديد أو الإساءة لأي كان. إنني أستمع باحترام لآراء الجميع، ومن بينهم مواطنينا من الديانة الإسلامية. إن بعضهم مع ذلك يقف بحزم لصالح سن تشريع. أعتقد بأن المسألة ليست مسألة دين، بل تتعلق بحسن المخالطة الجمهورية وبالمساواة وأيضاً بالأمن. في أعقاب مهمة الاستعلامات البرلمانية، قررت أن أرفع القضية إلى مجلس الدولة، وهو هيئتنا القضائية الادارية الأعلى، من أجل تحديد الإطار القانوني المناسب لسن تشريع. إن الأمر لا يتعلق، وفي كل الاحوال، لن يتعلق أبداً بالاعتداء على حرية الضمير وعلى الممارسة الحرة لشعائر العبادة المنصوص عليها في دستورنا.

دعت فرنسا إلى تكثيف العقوبات ضد إيران. لكن دولاً لديها علاقات جيدة معكم، مثل تركيا، تدعو إلى مزيد من الجهود الدبلوماسية وإلى المزيد من الوقت. هل تعتقد فرنسا بأن جميع الخيارات قد استنفدت بحيث لم يبقى إلا العقوبات ؟

نشاطر شركاءنا في مجموعة الدول الست، ومن بينها الصين، الهدف نفسه، أي ضمان احترام إيران لالتزاماتها الدولية. إلا ان إيران تطور برنامجاً نووياً بدون هدف مدني قابل للتحديد، وفي ذلك انتهاك لخمس قرارات لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي يطلب، على وجه الخصوص، تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم. نرغب بحل متفاوض عليه. وقد كانت اليد ممدودة مرات عديدة. لكن المرء لا يسعه إلا أن يستنتج بأن المحاولات الكثيرة من أجل إقامة حوار جاد ظلت غير مثمرة، أو أنها أفسحت المجال لإجابات تسويفية أو متناقضة. لذلك نعتبر بأن الوقت قد حان للنظر، مع المجموعة الدولية، في تبني عقوبات أشد، حتى ولو كان دوماً من منظور استئناف الحوار مع طهران.

تم النشر في 18/01/2012

اعلى الصفحة