خطاب رئيس الجمهورية في الدورة الـ 67 للجمعية العامة للأمم المتحدة

خطاب رئيس الجمهورية في الدورة الـ 67 للجمعية العامة للأمم المتحدة (25 أيلول/سبتمبر 2012)

السيدات والسادة رؤساء الدول والحكومات،

السيدات والسادة السفراء،

السيد الأمين العام،

إنها المرة الأولى التي أتكلم فيها من على هذه المنصة باسم فرنسا. أنا آتي للتذكير بقيم ليست ملكاً لأي شعب، وليست ملكاً لأي أمة، وليست امتيازاً لأي قارة، لكن فرنسا ما فتئت تنادي بها وتدافع عنها وهي: السلام والعدل والتقدم والتضامن. أنا آتي للتذكير بحقوق كل كائن بشري: الحرية والأمان ومقاومة الاضطهاد.

هذه القيم وهذه الحقوق تتعرض للإهانة في أغلب الأحيان في عالم تعترضه أزمات عميقة، حيث تمّحي المعالم التقليدية وتضغط عليه تهديدات جديدة.

التعصب يغذي أعمال العنف. والاقتصاد العالمي في حالة زعزعة ويشهد هوة عميقة متزايدة من عدم المساواة التي لا تُحتمل. واضطراب المناخ يهدد حتى بقاء كوكبنا.

مهمة الأمم المتحدة هي أن تسمح لنا بإيجاد أجوبة عادلة وقوية لكل هذه التحديات معاً. فمن دون العدل فإن القوة عمياء. ومن دون القوة فإن العدل عاجز.

معاً عرفنا في هذه السنوات الأخيرة كيف نضع حداً للنزاعات القاتلة ومنع المواجهات الدموية. يعمل باسمنا حوالي 100000 قبعة زرقاء. فلنحييهم.

لكن في أغلب الأحيان بسبب خمول وانقسام وجمود مؤسساتنا ذاتها ولاسيما مجلس الأمن، تعجز الأمم المتحدة عن منع الحرب والانتهاكات أو التعدي على حقوق الشعوب. إذاً فلنأخذ المحصلة التالية: إذا كنا نريد أن نجعل عالمنا أكثر أماناً يتعين علينا تحمل مسؤولياتنا كاملة.
أولاً، في إصلاح منظمتنا ذاتها.

يجب على مجلس الأمن أن يعكس توازنات عالم اليوم. لهذا السبب تدعم فرنسا مطالبة ألمانيا واليابان والهند والبرازيل بتوسيعه. وهي أيضاً ترحب بمزيد من الحضور لأفريقيا، ومن بينها أن تكون في عداد الأعضاء الدائمين. فاحتلال مقعد في مجلس الأمن ليس حصولاً على إمتياز، وليس إرضاء لطموح. إنه إتخاذ التزام بالتحرك.

لأن من واجبنا التحرك.

التحرك معاً،

والتحرك بسرعة، لأن ثمة حالة طارئة.

الحالة الطارئة هي اولاً سورية.

نددت هذه الجمعية بالمجازر التي ارتكبها النظام السوري، وطالبت بمحاكمة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، ودعمت عملية انتقال ديموقراطية. بيد أن عذاب السكان مستمر.

كل يوم هناك أكثر من 4000 رجل وإمرأة وولد يسقطون ضحايا القمع الأعمى. فكيف يمكن القبول بشلل الأمم المتحدة طويلاً أكثر من ذلك؟

لدي إقتناع بان النظام السوري لن يستعيد أبداً مكانه بين مجموعة الأمم، ولا مستقبل له بيننا. ولهذا ستعترف فرنسا بالحكومة المؤقتة والممثلة لسورية الجديدة الحرة، حين تتشكل. وستشترط عليها توفير كل الضمانات لكي يتم احترم كل طائفة وتعيش في أمن في سورية الغد.
ومن دون انتظار أطلب من الأمم المتحدة أن تمنح من الآن الشعب السوري كل الدعم الذي يطلبه منا وتحمي المناطق المحررة، عبر تأمين مساعدة إنسانية للاجئين. أما بالنسبة لحكام دمشق، فعليهم ان يعلموا بأن الأسرة الدولية لن تبقى من دون حراك إذا استخدموا الأسلحة الكيماوية.

الحالة الطارئة أيضاً هي مكافحة أخطر التهديدات ضد السلام والأمن الدولي ألا وهي منع إنتشار أسلحة الدمار الشامل.
ذلك أن إيران تتجاهل، منذ سنوات، متطلبات الأسرة الدولية، وتتهرب من مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا تحترم قرارات مجلس الأمن وتطور برنامجاً نووياً من دون أي غائية مدنية. أقول بوضوح للحكام الإيرانيين بأن فرنسا لن تسمح بهذا الإنحراف الذي يهدد الأمن الإقليمي. فرنسا إذاً مستعدة مع شركائها الأوروبيين لإتخاذ عقوبات جديدة ضد إيران. وأريد أن أقول للشعب الإيراني العظيم بان هدف هذه الاجراءات ليس الاساءة إليه ولكن لجلب حكامه للتفاوض.

الحالة الطارئة في هذه المنطقة من الشرق الأوسط هي في إيجاد مخرج أخيراً للنزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني.
الأمر الواقع ليس جواباً، إنه مأزق. وستساهم فرنسا بكل قواها لإعادة ترميم أسس التفاوض الموثوق الذي يؤدي إلى التعايش بين دولتين حيث أن كلاً منهما تعرف بأن ذلك هو الحل الوحيد العادل والدائم.

أخيراً الحالة الطارئة هي دول الساحل. على الأسرة الدولية أن تقيس حجم خطورة الوضع الناشئ عن احتلال مجموعات إرهابية لأرض في شمال مالي. إنه لأمر ملح أن تجد دول المنطقة معاً جواباً سياسياً واقتصادياً وإنسانياً. على الاتحاد الأفريقي والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا إتخاذ قرارات شجاعة. ستساند فرنسا المبادرات التي يتخذها الأفارقة انطلاقاً من الشرعية الدولية التي يمنحهم إياها قرار مجلس الأمن من اجل السماح لمالي باستعادة سلامة أراضيها.

الرد على الأزمات العاجلة هو واجبنا لكن علينا القيام بالمزيد ورفع التحديات الكلية للتنمية، ويتعين أن يكون ذلك طموحنا.
تطلب فرنسا بعد مؤتمر ريو +20 ، بان يوضع جدول زمني من دون إبطاء يجمع النمو الإقتصادي، والحد من الفقر وعدم المساواة والتقدم الاجتماعي وحماية البيئة. يتعين علينا التوصل إلى إتفاق عالمي حول المناخ من الآن لغاية 2015. وأعلن بأن بلدي مستعد في هذا التاريخ لاستضافة مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.

بالموازاة، سنواصل جهودنا لتحسين حوكمة البيئة. تتمنى فرنسا إقامة منظمة للأمم المتحدة من أجل البيئة مقرها في أفريقيا. وهذا انصاف لقارة أُهملت لوقت طويل ذلك أن وزنها يبرر الثقة التي نمحها إياها.

لكن حول التنمية، فلنتحدث بصراحة. لن نحقق أهداف الألفية من دون موارد جديدة. يعرف الجميع قيود موازنات دولنا. ولهذا أطلق نداء من على هذه المنصة لصالح عمليات التمويل المبتكرة التي معها نوفر الوسائل لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية ( الإيدز ) والملاريا بشكل فاعل.

وفرنسا تطالب بقوة بفرض ضريبة على التعاملات المالية بغية أن تساهم حركة رؤوس الأموال التي تستفيد من العولمة في عودة النمو ومكافحة الأوبئة، وذلك مستلهمة نجاح المرفق الدولي لشراء الأدوية ( يونيت إيد) الذي مُوِّل عبر فرض ضريبة على تذاكر الطيران. فرضت فرنسا هذه الضريبة على نفسها. وسيخصص 10 في المئة منها للتنمية. وأدعو كل البلدان إلى أن تحذو حذوها لبناء عولمة التضامن.

ومن مسؤولية الأمم المتحدة أيضاً التحرك لمعالجة كل عوامل عدم الاستقرار. افكر أولاً بتهريب المخدرات، تلك الآفة التي تؤثر على بلدان الإنتاج والعبور والاستهلاك: ولمواجهة تجار المخدرات وتحالفاتهم مع الشبكات الإرهابية أحياناً، علينا تحديد استراتيجية عالمية لمكافحة المخدرات ووضعها وتنفيذها.

كذلك، يشكل تهريب الأسلحة خطراً جسيماً. وفرنسا منخرطة بعزم للتوصل إلى معاهدة عالمية حول تجارة الأسلحة.
أخيراً، ازدهرت القرصنة جراء ضعف بعض الدول ـ كالصومال ـ ومؤخراً في خليج غينيا. لقد تحمل الاتحاد الأوروبي مسؤولياته. ويجب على الأمم المتحدة أن تنظر، من الآن فصاعداً، في هذا الاستحقاق لكي تتم معاقبة مرتكبي هذه الجرائم أخيراً.

****

ذلك أنه على الأمم المتحدة ان تدافع عن مفهوم للعالم يقوم على احترام الحقوق والحريات الأساسية.
ولقد أظهر "الربيع العربي" بأن هذه القيم كونية.

عمليات الانتقال السياسي الجارية ليست سهلة. ولن تنجح إلا إذا احترمت القيم التي كانت وراء انبثاقها.

تدعم فرنسا السلطات السياسية الجديدة المنبثقة من الانتخابات الحرة التي تحارب، من دون مجاملة، التطرف والتعصب وكراهية الآخر وكل أشكال العنف، مهما كانت الاستفزازات التي يمكن ان تعترضها.

أن معركة فرنسا التاريخية هي النضال من أجل الحريات الأساسية: إلغاء حكم الإعدام وحقوق النساء بالمساواة والكرامة وإلغاء التجريم العالمي للمثلية، وحماية المدنيين. وحول هذه النقطة الأخيرة، أذكر بأن هذه الجمعية العامة أكدت في عام 2005 مبدأ مسؤولية الدول في ضمان أمن مدنييها. وإذا تلكأت عن القيام بهذا الالتزام فعلى الأمم المتحدة القيام بذلك مكانها. لا يجب أن ندفن هذا الوعد. يخطر في بالي خصوصاً جمهورية الكونغو الديموقراطية، حيث يجب، علاوة على ذلك، أن تتوقف التدخلات الأجنبية.
هذه هي التوجيهات التي نلتزم بها هنا في الأمم المتحدة.

****

صيانة السلام وتنظيم التنمية والدفاع عن الحق والقانون هذه هي مهمة منظمة الأمم المتحدة. إنها مبنية على واقع أن لا دولة، مهما بلغت قوتها، يمكنها بمفردها مجابهة التحديات الكونية، والرد بمفردها على حالة الطوارئ الشاملة، والتغلب لوحدها على الأزمات العالمية. دافعها إقتناع هو أنه يجب أن تكون الأمم المتحدة إطار الحوكمة العالمية.

لكن نعرف أيضاً ما الذي يهدد منظمتنا وهو التردد وبطء الإجراءات والغرق والعجز في مواجهة المخاطر التي لا تنتظر.
إذاً فلنتحرك، ولنتحمل مسؤولياتنا، ولنكن على مستوى توقعات شعوب العالم.

فرنسا مستعدة لذلك.

أشكركم

تم النشر في 26/09/2012

اعلى الصفحة