خطاب السيد نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية الفرنسية (طنجة، 23 تشرين الأول).

السيدات والسادة الوزراء، السيدات والسادة، جئت لأوجه إلى المغرب تحية فرنسا، وأجدد للشعب المغربي التعبير عن صداقة الشعب الفرنسي الثابتة. في الصباح تحدثت إلى ممثلي الشعب المغربي عن العلاقات بين الأمتين العريقتين اللتين كانتا دوما غيورتين على استقلالهما. أمتان عريقتان تعرضتا لشتى أصناف الغزو، وفي كل مرة خرجتا بحرية واعتزاز ومكانة أكبر من المحن التي كتبها عليهما قدرهما. أمتان امتزجت فيهما الشعوب والديانات واللغات والثقافات، واستطاعتا أن تستمدا وحدتهما من تنوعهما. أمتان عاشتا دوما------------، أمتان حفر كل منهما عبر القرون، هوية قوية ومتفردة، أمتان عريقتان جسدتا من بين آخرين مثلا عليا لكل الناس، وقضية تتجاوز وضعهما، تتجلى في قيمة روحية أخلاقية لامثيل لها قياسا بوسائلهما المادية وحجمهما وساكنتهما و------- بالرغم من تقلبات التاريخ ساد دوما الود والتفاهم بين المغرب وفرنسا. كيف يمكن لرئيس دولة فرنسي يأتي إلى المغرب بدون أن يستحضر أحد الوجوه البارزة الممثلة في ليوطي، الذي جعله القدر يقود الحماية ، وبغض النظر عن الأحكام المسبقة والإيديولوجيات السائدة حينها، لم يكن له من هدف له غير حماية الشعب المغربي الذي أحبه واحترم تثمين غنى ثراته وعظم حضارته، وتثقيف المغاربة والفرنسيين على الود والتفاهم. لقد تنبه قبل أي أحد باستحالة الوقوف في وجه تطلعات الشعوب في تقرير مصيرها، وأخذ على عاتقه واجب مواكبتها على طريق الحرية. فكان واحدا من الذين مهدوا الطريق للمغرب المعاصر. كان واحدا من الذين بفضلهم نسجت مشاعر الأخوة بين المغرب وفرنسا بغض النظر عن الأخطاء وأحيانا الجرائم المرتكبة من طرف الحماية. رسخت هذه الأخوة بدماء عشرون ألف جندي مغربي أفدوا حياتهم من أجل فرنسا والحرية. فعلى أسس هذه الأخوة ترغب فرنسا في إقامة علاقتها مع المغرب. من صلب هذه الأخوة التي تجمع بين الشعبين بما حمله تاريخهما من انفتاح للآخرين، وتسامح واحترام لكرامة الإنسان ولأشكال أنسنة أقرب لبعضها من--------- هنا، في نقطة التقاء أوروبا وأفريقيا، المسيحية والإسلام، من أرض شكلت مركز الحضارة العربية-الإسبانية، من بين الشعب المغربي الذي لم يعرف أبدا معنى للكراهية---------، والذي لم يقاتل ببسالة إلا من أجل حريته، والذي حرص على حماية اليهود في وقت تمت متابعاتهم وتصفيتهم في أوروبا. هنا، من بين الشعب المغربي العريق التحضر ذو الإرث الكبير. هنا، في مدينت طنجة التي مر منها الفينيقيون والقرطاجنيون والرومان والبزنطيون والعرب والبرتغال والإنجليز، ومنطقة دولية، وأين تساكن الإسبان والألمان والفرنسيون، والتي أصبحت بدون رجعة مغربية كاملة. هنا، في هذا الميناء المغربي الكبير على البحر الأبيض المتوسط. هنا، من أين تحدث بجهر لأول مرة عاهل مغربي عن استقلال المغرب ونهاية الإمبراطوريات الاستعمارية. هنا، يؤكد المغرب على أنه قوة متوسطية في المقام الأول. ومن هذا الميناء الذي يريد له المغرب أن يكون أكبر وأنشط ميناء في البحر الأبيض المتوسط. من هنا رغبت في أن أوجه رسميا نداء عاجلا إلى شعوب المتوسط لتتوحد حول----------- وأرقى المثل الإنسانية العليا. هنا من مدينة طنجة والتي تقاسمت في نفس الوقت، كل النجاحات والتقدم والفتوحات الفكرية والروحية. من مدينة طنجة أريد أن أقول إلى جميع المتوسطيين بأنهم لن يكونوا أوفياء للإرث الثقافي والحضاري والإنساني والروحي المؤتمنين عليه إلا إذا تمكنوا من فهم أن ما يفرقهم يعد أقل أهمية مما يجمعهم وتوفرت لديهم إرادة التحدث والعمل جميعا باسم ماهو مشترك فيما بينهم. لم نتوقف عن الحديث منذ عقود عن كلما يجمع الناس حول المتوسط، وتجميد فضائل حوار الثقافات والحضارات والأديان. ولم يتوقف عالم المتوسط منذ قرون من أن يكون مقسما بين فكر الحرب والحوار، والكراهية والأخوة، والمدنية والهمجية، أريد أن أقول بأن الوقت لم يعد يسمح بالاقتصار على الحوار بل بالعمل، والفعل بدل الكلام. إلى كل المتوسطيين الذين لم يتمكنوا من الخروج من دائرة جهنمية يطبعها الانتقام والكراهية، إلى كل المتوسطيين الحاملين بالسلم والأخوة والذين لايرون إلا الحرب والقتال أينما ولوا وجهتهم، إلى كل المتوسطيين المشبعين بالتسامح والقيم الإنسانية واليائسين من موجة التعصب واللاتسامح، أقول بأن الوقت قد حان لننتقل من الحوار إلى السياسة، ومن تجاوز النقاش إلى الانكباب على العمل. إلى كل المتوسطيين، إلى كل الشعوب التي تعيش في كنف هذا الإشعاع الرائع والذي تولدت عنه أجمل الأحلام الإنسانية. إلى كل أهل العزائم الذين يتذكرون عندما يواجهون البحر بأنهم حفدة أولئك الذين بعقيدتهم وحكمتهم مكتوم الإنسان لأن يكون لأول مرة في صلب العالم، ولقنوه بأن تاريخه كان مأساة. إلى كل الرجال، إلى كل السيدات الذين يشعرون بأنهم ورثة أولئك الذين لقنوا الإنسانية طريقة أخرى للاعتقاد والتفكير. أقول لهم بأن الوقت قد حان لتعضيد كل جهودهم من أجل بناء اتحاد البحر الأبيض المتوسط، لأن ما يجري الآن يعد حاسما، ليس فقط لمستقبل شعوب الحوض، وإنما لمستقبل الإنسانية كافة. هنا سيتحدد الجواب عن إمكانية قيام أم لا لحرب رهيبة بين الحضارات والديانات. هل ستقوم مواجهة أم لا بين الشمال والجنوب، هل سينجح أم لا الإرهاب والتطرف والأصولية من فرض منطق العنف واللاتسامح على العالم. هنا سيتحدد قرار مستقبل أوروبا ومستقبل إفريقيا. لأن مستقبل أوروبا يوجد في الجنوب، وبادارتها الظهر للمتوسط، تفطع ليس فقط منبعا ثقافيا وأخلاقيا وروحيا وإنما مستقبل أوروبا، فتحقيق ازدهارها وأمنها والمجال الذي اختطه لها منشؤوها، يكمن في البحر الأبيض المتوسط، وعبره يمكن مجددا لأوروبا من إسماع صوتها لكل الناس. عبر المتوسط، وضمن وعي حقيقي بما يستحق، تلتقي أوروبا بهويتها. ويهتدي مشروعها إلى وجهة لن يضل معها، والذي هو مشروع حضارة. عبر المتوسط تتوحد إفريقيا وأوروبا، وعبر المتوسط تبني إفريقيا وأوروبا مصيرا مشتركا، وعبر المتوسط يمكن لإفريقيا وأوروبا التأثير في مصير العالم ومنحى العولمة. وعبر المتوسط تمد إفريقيا وأوروبا يدها إلى الشرق، لأن مستقبل أوروبا يكمن في الجنوب، ومستقبل إفريقيا يوجد في الشمال. أوجه نداء لكل من يستطيع التجند من أجل اتحاد البحر الأبيض المتوسط باعتباره محور المنطقة الأورو إفريقية، هذا الحلم الكبير الذي بإمكانه النهوض بالعالم. فالإتحاد المتوسطي يشكل تحديا لكل واحد من شعوب البحر الأبيض المتوسط. هو مجهود مطلوب من كل واحد منا من أجل التغلب على الأحقاد والكراهية التي ورثها الأطفال عن آبائهم منذ أجيال. ولقيم كل واحد مما يزرع الحب بدل الحقد، لأن الحب كما جاء في نداء أنتيغون منذ 2500 سنة "ولدت لأتقاسم الحب وليس لأتقاسم الكراهية" هذا الحب هو ما يشكل جوهر اليهودية والمسيحية والإسلام. والذي يعمل المتعصبون على خنقه، هذا الحب المتواجد في ثقافتنا، في فكرنا، في ديننا، في قلوبنا، في شعرنا، ولكنه لا يوجد في القلوب لأنها مكلومة وممزقة من مما معاناة رهيبة وذكريات قطاعات أليمة. عاشت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية فترات عصيبة تعالت فيها صيحات المعانات والألم على الحب، لكنها استطاعت التغلب عليها بعد اقتتال وسيلان دم وعنف امتد لقرون، وانخرطت في طريق السلام والأخوة. فرنسا توجه نداء إلى كافة شعوب المتوسط لنهج نفس الطريق، واتباع نفس المنهاج لتحقيق نفس الأهداف. لن نستطيع بناء الإتحاد المتوسطي باستغلال الأبناء لأخطاء آبائهم أو عن طريق الندامة، كما أن أوروبا لم تقم على ذلك. فجان موفي وروبير شومان لم يقولا للألمان "كفروا عن ذنوبكم اولا، ولنرى من بعد" ولكن قالوا لهم "فلنبني جميعا مستقبلنا المشترك". ولم يقل الجنرال دوغول للمستشار أديناور "كفروا عن ذنوبكم بداية ولنتصافح من بعد"، ولكن خاطبه قائلا "لنصبح أصدقاء إلى الأبد من الآن". سنبني الإتحاد المتوسطي كما هو حال الإتحاد الأوروبي، على إرادة سياسية أقوى من ذكريات الآلام، واقتناع بالاعتداء بالمستقبل أكثر من الماضي. ولا يعني ذلك النسيان، أو إتباع سياسة أن شيئا لم يكن، أو كأنه لم يكن هناك تاريخ. لاتعني الرغبة في الإتحاد المتوسطي المس بالتاريخ أو الانطلاق من نقطة الصفر، ولكن هي رغبة في بداية المشوار من النقطة التي وصل إليها التاريخ والدفع بها بدل اجتراره. فالمتوسط ليس بصفحة بيضاء لكن كل مستقبله ليس في ماضيه، وغير محكوم على هذا المستقبل بأن يكون تكرارا لماضيه. فلنقم بما قام به الآباء المؤسسون لأوروبا، فلننسج تضامنا ملموسا ومتينا بدون انقطاع حول مشاريع ملموسة ترتبط بالمصالح الحيوية لكل شعوبنا. لنعمل كما فعل الآباء المؤسسون لأوروبا، الذين استطاعوا جمع بين أشخاص لا يجمع بينهم ود ليتعودوا على عدم العودة إلى الكراهية. لن نقيم الإتحاد المتوسطي على الشاكلة الحالية للإتحاد الأوروبي بمؤسساته، وإداراته، ومستوى الاندماج العالي سياسيا وقانونيا واقتصاديا. ومن المحتمل أن يكون الإتحاد المتوسطي بداية في شكل غير مشابه للإتحاد الأوروبي وماعرفه من تحولات، كتجربة فريدة وأصيلة. وعلى جيلنا أن ينهض بهذه التجربة وتوفير شروط نجاحها وجعلها تتحقق في اتجاه لا رجعة فيه. ولن يتحقق الإتحاد في يوم واحد، ولكن إذا نهضنا بهذه المهمة التاريخية، لن يسمح لأحد من بعدنا العودة إلى الوراء بل سيعمل الجميع على تكريس التوجه نحو الوفاق والتعاون والتوافق. وهذه ليست مسؤلية سياسية فقط وإنما هي مسؤولية أخلاقية لتحقيق هذا التحدي الذي اعتقد البعض منذ زمن قصير باستحالة انجازه، وبلا معقوليته، مقابل تعبير طرف آخر عبر المتوسط عن استعداده للانخراط فيه. فكأي مغامرة جديدة لابد وأن يكتنفها في البداية شكوك، والتي تتفاءل مع الوقت لتفهم البعض إن اللامعقول هو الاستمرار في طريق وكأن شيأ لم يكن، لأن ذلك يعد بمثابة انتحار. ولأنهم فهموا بأن الخطر لا يأتي من الجرأة وإنما من غيابها. لقد فهموا بأنه في برشلونة سنة 1995 شعرت أوروبا بما يجري لها ولعالم البحر الأبيض المتوسط. وفهموا بأن دخول الإتحاد الأوروبي في حوار بين أوروبا ودول المتوسط وخيار حاسم. وأن مسلسل برشلونة وسياسة الجوار للإتحاد الأوروبي، والتعاون المقام بين الدول المتوسطية في الغرب، الملتقى المتوسطي، في كل المبادرات سواء الأبحاث في الجامعات، أو في الاقتصاد، أو في الثقافة، أو في الصحة، أو في محاربة الإرهاب، تساهم كلها في الجمع بين ضفتي المتوسط، وهي تعبيرات على أن الإرادة موجودة، وهم يتقاسمه الجميع، وكل الأسباب متوفرة لعقد الأمل. وبالمقابل سفهم أن ذلك غير كاف ويجب الاستمرار في الإيجابيات المسجلة، ومن الضروري المضي إلى ما هو أبعد، وتخطي مرحلة، والجرأة في التفكير في شيء يمكن أن يحدث تغييرا جوهريا، وبلورة ماهو قائم والانتقال إلى مرحلة أخرى بسرعة أخرى من أجل قلب مصير القدر. هذا هو مشروع الإتحاد المتوسطي: قطيعة، قطيعة مع تصرفات، مع أنماط تفكير مع الاحتياط، مع العقليات التي لا تقبل بالجرأة والشجاعة. لا نتوفر على أية فرصة لتغيير مسار التاريخ، أو تغيير العالم إذا لم نخاطر. ولن نعمل شيئا أو إلا القليل النادر إذا لم نكن مستعدين لمخاطر الخسارة. قطيعة، شجاعة وجرأة بإمكانها إحداث تغيير كلي، ما على شعوب المتوسط إلا أخذ مصيرها بيدها، وكتابة جماعية لمستقبلها، وتتحمل جماعة مسؤولية وتضامنا فرضه واقع التاريخ والجغرافيا، ولن تسمح وإلى الأبد أن يقرر آخر في مكانها. هذا هو الرهان الجريء والشجاع الذي بإمكانه اليوم تغيير مصير المتوسط ومن خلاله مصير أوروبا وأفريقيا والعالم، لأن جزأ من مصير العالم تقرر في هذا الجزء. هذا الرهان، من خلال النداء الموجه إلى كافة شعوب المتوسط – أقول كافة – للالتزام بسيرورة تاريخية تفضي بها إلى وحدتها، والكل متوقف على الحاضر. تقتضي الجرأة والشجاعة، ------ مناداة الجميع باقتناع من أن هذا النداء هو أقوى بكثير من الحرب. تقتضي الجرأة والشجاعة، القول إلى دول حوض المتوسط بأنها لا تشكل معسكرين متواجهين، وإنما تشكل مجموعة بشرية لكل واحدة منها نصيبه ومتساوون في الكرامة والحقوق والواجبات. تقتضي الجرأة والشجاعة القول إلى هذه الدول بأن تحارب لجعل البحر المتوسط أنقى بحر في العالم، وأن يأخذه كل واحد منها كرهان حيوي، ولأنه لاخيار للجميع إلا العمل سوية لتحقيق هذا الهدف. ويجب أن يكون الإتحاد المتوسطي براغماتيا، وأن تتحدد بنية حسب المشاريع. إذا كانت أوروبا قد شرعت الفحم الحجري و الحديد والتعاون النووي، فالإتحاد المتوسطي يمكنه أن يبدأ بالتنمية المستدامة والطاقة والنقل والماء. وعكس ما حدث بأوروبا التي وضعت الاقتصاد في المقام الأول. فقطاعات الثقافة والتربية والصحة والرأسمال البشري يجب أن تتصدر الأولويات بالإتحاد. وأن يضع في المقام الأول محاربة الفوارق وتحقيق العدالة التي بدونها لن يكون السلم ممكنا. سيكون الإتحاد المغاربي بداية إتحاد مشاريع، ولكن بهدف جعل حوض المتوسط أكبر مختبر عالمي للتنمية المشتركة، أين يقرر ويتحكم جماعة في التنمية، وحرية حركة الأشخاص تبنى ويتحكم فيها جماعة، وأيضا ينظم ويضمن فيه الأمن جماعة. لايعد الإتحاد المتوسطي في رؤية فرنسا تعويضا لكل المبادرات والمشاريع القائمة ولكن يهدف إلى إعطائها نفسا وانطلاقة جديدين وأيضا ينحو نفس الهدف وتجميع كل الأفكار والطاقات والإمكانيات. سيكون الإتحاد المتوسطي بداية كأوروبا، أي ترجمة إرادة سياسية إلى عمل في نطاق استراتيجيات وأهداف مشتركة، والتي يجب التعبير عنها في التزام لرؤساء الدول والحكومات. باسم فرنسا التي قررت الالتزام بما أوتيت في هذا المشروع وباسم كل شعوب المتوسط المرتبطة المصير فيما بينها، باسم أطفالنا الذين سيحاسبوننا عما فعلنا يوما ما، أدعو رؤساء الدول والحكومات لدول حوض البحر الأبيض المتوسط للاجتماع في فرنسا خلال يونيو 2008 لوضع لبنات إتحاد سياسي، اقتصادي، ثقافي قائم على المساواة بين الأمم. أدعو جميع الدول التي ليست طرفا في الحوض المتوسطي ولكنها مهتمة بما يحدث فيه أن تشارك كملاحظة في القمة الأولى وتساهم في نجاحه. في رؤية فرنسا ليس هناك شبه بين الإتحاد المتوسطي والسيرورة الأورو المتوسطية، ولن يكون موجها لاضد إفريقيا ولاضد أوروبا، وإنما يقام معهما. وأقترح اشتراك المفوضية الأوروبية منذ البداية في الإتحاد المتوسطي، وتساهم في جميع الأشغال حتى تكون العلاقة بين الإتحادين علاقة شراكة وتكامل، وأن يعضد ويعزز أحدهما الآخر، لأن يشكلا تدريجيا مصيرا واحدا. سأستشير خلال الشهور القادمة جميع دول الحوض المتوسط حول جدول أعمال القمة القادمة، وسأقترح عليهم العمل على عشرات المشاريع الملموسة والتي يمكن إقامة نواة تعاون مستقبلي حولها. لن يكون هذا المشروع مشروعا لفرنسا، سيكون مشروعا للجميع، ومعدل من طرف الجميع، ولن ينجح إلا إذا ما ساهم كل واحد بجزء منه. وهناك منذ الآن من ينخرط فيه بعزم. لايمكن لهذا المشروع أن يولد دون إرادة جماعية وتفكير مشترك، وهذا هو التاريخ القادم والذي سنكتبه جميعا، نحن شعوب المتوسط، ونحدد شيئا فشيئا ملامحه ومعالمه. وإلى أولئك الذين يرغبون في أن يقرر سلفا كل شيء لكي يشرعوا في الاقتناع بإمكانية النجاح، أحبذ التذكير بكيفية بناء أوروبا الذي لم يكتمل بعد. أذكرهم بأنه بداية كان اعتقادا، ثم حلما مجنونا قبل أن يتحول إلى حقيقة. الإتحاد المتوسطي سنقيمه إذا أردنا ذلك. فرنسا ترغب فيه، وأعرف أن المغرب كذلك. وأعرف أن الشعوب في سريرتها ترغب في ذلك. وأعرف أنه تسكن في عمق كل رجل، وكل امرأة تعيش بحوض المتوسط أحلام وأسى وحدة ضائعة منذ 15 قرنا. أحس بتصاعد الحماس والرغبة في الإيمان بالمشروع. خلال 15 قرنا مضت، فشلت جميع المشاريع لإحياء هذه الوحدة، كما فشلت أيضا كل أحلام الوحدة الأوروبية. لأنها أقيمة على فتوحات أمام رفض الشعوب الراغبة في أن تبقى حرة. فالمشروع الذي تقترحه فرنسا اليوم على جميع شعوب المتوسط مشروع قائم على حلم السلام والحرية والعدل، مشروع لن يفرض على أحد لكن مقبول من طرف الجميع. شعوب المتوسط، مستقبلنا لنا، لن نترك أحدا يأخذه منا، لن نسمح لأي أحد بأن يسرق أحلامنا وآمالنا. شعوب المتوسط، فلنبرز لكل الرجال ما يمكن أن يحققه حلم كبير للحضارة. وسيكون أطفالنا فخورين بنا.

تم النشر في 13/08/2008

اعلى الصفحة