خطاب الرئيس الفرنس فرانسوا أولاند في منتدى الأعمال الفرنسي الأردني ، في عمّان، 19/4/2016

السيّد رئيس الوزراء،

لقد كان لكلمتكم أثر كبير في نفسي ، فقد فهمتها دون أيّة ترجمة. وهنا، أبديتم دليلاً على حسّ الضيافة، الحسّ الذي يتمتع به الشعب الأردني، وتمكنّا من اللغة الفرنسية يعبّر عن الصلات الفرنكوفونية التي نسعى لترسيخها أيضاَ.
أحيّي السادة الوزراء والبرلمانيّين وممثّلي مجتمع الأعمال الذي يجمع الشركات الأردنية والفرنسية.
صحيح أنّ العلاقات بين بلدينا قديمة، وغرفة تجارتكم رمزُ لذلك، فسنة تأسيسها، كما ذكرتم، تعود إلى مطلع القرن الماضي، وهذا يعني، بعد مرور مائة عام، انّ الأردن وفرنسا سلكا طريقاً واحداً، لم يكن طريق النجاحات والأفراح فقط، بل طريق المحن أيضاً، وفي كل مرة كان هنالك محنة، تقاسمناها معاً.

وهذه العلاقة عميقة أيضاً، وهنا أود أن أذكّر بمشاركة جلالة الملك عبد الله في مسيرة الحادي عشر من كانون الثاني ، بعد الاعتداءات الأولى التي أدمت باريس العام الماضي، فأصابت صحيفة شارلي إبدو وأفراداً من الشرطة إضافة إلى محل تجاريّ يهودي. لقد كان تواجد جلالة الملك في شوارع باريس أمراً مهمّا.
كما أنّني أعلم ما يقوم به الأردن لمحابة الإرهاب، وهو يدعمنا، إذ ما كان ممكنا نشر تشكيلاتنا لمحاربة الدولة الإسلامية بدون الأردن، وهذ دليل على أن العلاقات بيننا ليست إنسانية واقتصادية وثقافية وحسب، وإنّما هي أيضاً سياسية وعسكرية.

إن الأردن يقع في قلب العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، فهنالك المأساة السورية، والحرب في العراق، واستمرار الصراع/الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية، ولكل واحد من هذه الأحداث، لكل واحدة من هذه المآسي نتائجه المباشرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الأردن. وإذا كان علي ان أذكر مثالاً واحداً على ذلك فهو تدفق اللاجئين الذي يخلق ضغوطاً كبيرة على الموارد والبنى التحتية والخدمات وسوق العمل، وعلى الدولة الاردنية أيضاً. باختصار، إن الاقتصاد الأردني كله من يتأثر، وللأرقام دلاتها البليغة هنا: لقد استقبل الأردن أكثر من مليون لاجئ، وإذا تأملنا ما يمكن أن يمثلّه هذا نسبة إلى عدد السكان ، فإنه أمر هائل، بل لا يمكن تخيّله. وهذا ما ينبغي أن يقود أوروبا إلى التفكير بما يشكلّه هذا الامر بالنسبة للدول المجاورة (لسوريا) قبل أن نتساءل عن واجباتنا و التزاماتنا نحن تجاه اللاجئين.
تشير التقديرات، التي تظلّ، في اعتباري، منخفضة قياساً بالواقع الدقيق، إلى كلفة مباشرة على الميزانية الأردنية تزيد عن مليار دولارا، ولكن هي بلا شك أكبر من ذلك، كما أسلفت.

ونحن ندرك أيضاً أن للأزمات المحيطة بالأردن أثرها على الساحة وعلى الاستثمار. ووجودي هنا في الأردن، مع الوفد الذي أترأسه والذي يضم العديد من الشركات الفرنسية يمثل رسالة مزدوجة: رسالة إلى شركات القطاع الخاص الفرنسية، تقول لهم : تعالوا، تعالوا أكثر للاستثمار في الأردن، ورسالة إلى الفرنسيات والفرنسيّين ، سواء من يعرفون الأردن أو أولئك الذين لا يعرفونه، بأن عليهم زيارته، لأنّي أعرف كم هي استثنائية ثرواتكم السياحية، فقد زرتها، وكم يستقبل السائح هنا بكرم الضيافة وبكل أمان كذلك، وهذا هو العنصر الجوهري.

لقد جئت لأعيد التأكيد على دعم فرنسا للأردن، وقد قدّمت لجلالة الملك هذا الصباح تفاصيل ما تعّهدت به فرنسا عقب مؤتمر لندن. لقد تجاوزت المساعدات الفرنسية للأردن خلال العقد الماضي المليار يورو، عبر الوكالة الفرنسية للإنماء، بصورة أساسية، وسنقدّم مبلغا مماثلاً ، أي مليار يورو، على مدى السنوات الثلاث القادمة؛ فنحن نعتبر أنّ الأردن يحتاج هذا الدعم.

سيأخذ هذا الدعم صيغاً مختلفة: دعم للميزانية من الدولة الفرنسية للأردن، تمويل ميسر للمناطق لأكثر تضرراً من أزمة اللاجئين وأموال للقطاع الخاص الأردني أو المستثمرين الفرنسيين الذين يرغبون في الاستثمار في الأردن.
لقد سألتني، دولة الرئيس، عمّا يمكن لأوروبا القيام به، فيما يتعدّى المساعدات. إنّ ما يجب أن تقوم به أوروبا هو معالجة مسألة قواعد المنشأ للمنتوجات الأردنية. أوكد لكم، هنا، التزامي الشخصي بأن تذهب أوروبا أبعد ما يمكن من أجل ترجمة "Jordan compact" الذي يهدف إلى منح اللاجئين السوريين فرصة العمل وأن لا يعتمدوا فقط على المساعدات الدولية. ومن شأن هذه المبادرة أن تجذب المستثمرين من أجل إبراز الكفاءات التي يمكن تتوافر هنا و أن تساهم في التنمية الاقتصادية في الأردن. وسنعمل على تيسير كافة القواعد لتمكين مشروع " Jordan compact" من دخول حيّز التطبيق الفعلي و يكون له نتائجه الإيجابية على اقتصادكم.
والدعم الفرنسي يتمثّل أيضاً بما تقوم به الشركات الفرنسية، لا أتحدّث فقط عن الشركات الكبيرة، بل أيضا الشركات المتوسطة والصغيرة، التي حرصتُ على إشراكها في هذه الزيارة لكي تتمكن من تهيئة الظروف لتطوير نشاطها في الأردن.

لقد أردتم ، دولة الرئيس، وشاطركم الوزراء التوجه ذاته هذا الصباح، التشديد على الفرص الي يقدّمها الاقتصاد الأردني حتّى في هذا السياق الصعب. ونحن نثق بالاقتصاد الأردني، لقناعتنا بأهمية الإصلاحات التي شرع بها بلدكم : الإصلاحات الاقتصادية، الضروريّة لتسهيل عمل الشركات وضمان الاستقرار والحضور، الأمر الذي يحتاجه أيّ اقتصاد؛ والإصلاحات الإدارية أيضاً عبر اللامركزية، والإصلاحات السياسية كذلك؛ لأنها تسهم، فضلاً عن التعددية والحرية، في ضمان شروط العيش المشترك، وبالتالي الأمن.

من خلال شركاتها، تعدّ فرنسا سادس أكبر مستثمر في الأردن، وهي نفس المرتبة التي نحلها في مصرـ وأظنّ أنها ليست بالمرتبة الجيدة، ففي المسابقات الرياضية وحدهم الثلاثة الأوائل من يحصدون الميداليات، أما من يحل سادساً فيكتفي بالمشاركة. لهذا فإنّنا نأمل ان نصعد بعض الدرجات في سلّم الدول الأكثر استثماراً وتجارة مع الأردن. ومع ذلك فنحن أوّل مستثمر غير عربي في الأردن، كما أشرتم، دولة الرئيس ، من خلال حوالي عشرين شركة فتحت فروعاً هنا وتدرب توظف أكثر من أربعة آلاف أردني. سأذكر بعضاً من هذه الشركات لأنها الأكثر شهرة ولأنها من خلال زيارتي ستزيد من استثماراتها : أورانج، كارفور، توتال، لافارج والعديد من الشركات الأخرى المتواجدة هنا والتي تريد ان تكون مثالاً يحتذى .ويمكننا أن نعرض للعديد من الأمثلة خصوصاً في مجال المياه لأن هذا موضوع محوري. وفي هذا السياق يتم الاعتراف عادة بتميز الشركات الفرنسية. بالفعل، شركة سويز تشغل أكبر منشأة معالجة مياه في الشرق الأوسط في السمرا ومشروع الديسي في عمان وتؤمن نقل ما يمثل ربع استهلاك البلد من المياه ويمكننا أن نقوم بالمزيد. ولهذا السبب تم التوقيع على اتفاق جديد صباح اليوم لإطلاق مشروع ريادي حول تحسين توزيع المياه في محافظات الشمال. الماء هو المورد الأكثر شحاً والأكثر أهميةً ويجب أن نتيح توزيعها على أكبر عدد من المستفيدين وأن نقلص من كمية الفاقد المائي، والهدر المالي الكبير الناجم عنه. نريد إذاً أن نواكبكم في كافة مشاريعكم التنموية وفهمت أنه في مجال البنية التحتية والنقل والصناعات الغذائية والسياحة، أنكم مستعدون لاستقبال الشركات خير استقبال. وهذه الشركات منفتحة للحوار مع السلطات لأنه هذا هو معنى هذا اللقاء لمجتمع الأعمال. وأعتقد انّ ثمة مجالات يتوجب علينا أن نخطو فيها خطوة إلى الأمام، في قطاع التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والنقل والاقتصاد الرقمي. بالرغم من كل الصعوبات التي تواجهونها على الصعيد الاقتصادي، يمكنكم أن تشكلوا مثالاً يحتذى ونحن نريد للأردن أن يصبح مثالاً يحتذى؛ لأن منطقة الشرق الأوسط بحاجة للمثال والمرجعية، وأنتم من بين أبرزها. سيكون هناك وفود أخرى من رجال الأعمال، تأتي تباعاً إلى الأردن وستستقبل فرنسا شركات أردنية أيضاً. وأعرف أن هناك زيارة مقبلة لوفد من للميديف (حركة الشركات الفرنسية) ، بل الرئيس بنفسه، نظراً للأهمية التي يوليها لهذا الأمر، وأتمنى أن تكون هذه الزيارات، وزيارتي هي الأكثر رمزية وذات الطابع السياسي الأكبر، وهي ليست فقط من أجل الحديث عن قضايا المنطقة، وقد تطرّقت إليها مع جلالة الملك، فطالما ليس هناك حلول للأزمات، سيظل الشكّ، والصعوبة والتهديد حاضرين و يعيقون التنمية . لذلك فإن مسؤوليتي، ومسؤولية جلالة الملك هي العمل والضغط من اجل إيجاد هذه الحلول، خصوصاً في ما يجري حاليا في جنيف من أجل الوصول إلى مخرج. ولكن بموازاة العمل على الشعيد السياسي علينا أن نبني، على المستوى الاقتصادي، وأن نتجنّب أن يتكون مسألة اللاجئين عبئاً لا يطاق بالنسبة إليكم ، بينما انتم ، على الصعيد الإنساني، تؤدون الواجب نيابة عن المجتمع الدولي. كما سألتني عمّا يمكن لفرنسا القيام به لمواكبتكم في مفاواضاتكم مع صندوق النقد الدولي، وأنت أحد الخبراء في هذه المسائل. أود أن أؤكد لكم، هنا أيضاً، أننا سنقوم بما يلزم لدى هذا الصندوق الدولي. وفي الاجتماع المقبل لمجموعة G7، لن يفوتني أن أذكّر بأننا إذا أردنا ضمان التنمية في بلدان مثل بلدكم، وإذا أردنا أن يكون لمنطقة الشرق الأوسط مستقبل، فنحن بحاجة إلى أن تدرك البلدان الغنيّة أنّ ضمان نموّ اقتصادكم ، وضمان التنمية عندكم، هو أيضا ضمان لأمنها هي. شكراً للأردن عل استقباله لنا اليوم.

تم النشر في 20/04/2016

اعلى الصفحة