حديث وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والأوروبية ألان جوبيه إلى قناة "الجزيرة" التلفزيونية (نيويورك، 22 أيلول/سبتمبر2011)

سؤال ـ السيد الوزير صباح الخير. فلنبدأ مع الملف الفلسطيني، علام يرتكز الموقف الفرنسي بالضبط؟

جواب ـ استئناف المفاوضات للتوصل إلى إتفاق هو السبيل الوحيد لضمان الأمن والسلام على المدى الطويل سواء بالنسبة إلى دولة إسرائيل وإلى دولة فلسطين: هذا ما ألهم اقتراح الرئيس الفرنسي. انطلاقا من هنا، حاول اتخاذ مبادرة جديدة لكي يحرك الخطوط، أولاً عبر اقتراح منهج جديد لإشراك جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، والبلدان العربية والبلدان الأوروبية الكبرى، لأن ما من بلد بمفرده يمكنه التوصل إلى تحريك الأمور إلى الأمام، وبالتالي عبر تحديد مصطلحات مرجعية المفاوضات والجدول الزمني. ثم هنا يكمن ربما الابتكار الأساسي: يقترح الرئيس مواكبة عملية المفاوضات من خلال قرار صادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة قد يعترف بوضعية الدولة المراقبة لفلسطين.

سؤال ـ في نهاية المطاف، ما من جديد يُذكر في هذا الاقتراح، ذلك أننا ومنذ سنوات نردد بالضبط الشيء نفسه للفلسطينيين...


جواب ـ الجديد هو النقطة الأخيرة من الاقتراح. وإذا وُفِّقنا ـ يجب بالطبع أن نناقش الأمر مع هؤلاء وأولئك ـ بالحصول على قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يعترف لفلسطين بوضعية الدولة المراقبة، سيكون مثابة تجديد كامل، إنها خطوة مهمة جداً باتجاه الاعتراف التام بدولة ذات ممارسة كاملة تمنح لها في ختام المفاوضات التي نتمناها. لا يتعلق الأمر بالانطلاق مجدداً لسنوات من النقاشات. إذا اتفقنا على استئناف المفاوضات، فلنتفق أيضاً على الانتهاء بعد سنة كحد أقصى.


سؤال ـ أنتم واعون لما يقال في الأوساط العربية كالآتي: في الأربعينات جاءت إسرائيل إلى الأمم المتحدة وحصلت على الاعتراف بدولتها من قبل الأمم المتحدة. إذا كان هذا الأمر ينطبق على الإسرائيليين فلماذا لا ينطبق أيضاً على الفلسطينيين؟ جواب ـ هذا بالضبط ما قاله رئيس الجمهورية الفرنسية هذا الصباح: يستمر هذا الأمر منذ 60 عاماً، لقد طال أكثر من اللازم. أعتقد بأنه حان وقت التحرك وتغيير الأشياء لأننا نشهد انقلابا هائلاً هو في صدد تغيير المعطى في البلدان العربية. تونس ومصر وليبيا وسورية، ويمكننا إطالة اللائحة، كل شيء تغير حول إسرائيل وحول الأراضي الفلسطينية. ولهذا السبب يجب حتماً الوفاء بالوعود التي قطعناها، وأنت محق في التطرق إليها، أي الوصول إلى هذا الاعتراف بالدولة الفلسطينية.


سؤال ـ لماذا فُرضت هذه التسوية على الفلسطينيين؟ لماذا لا يتم دعمهم في مجلس الأمن للحصول على الاعتراف بدولتهم؟

جواب ـ الجواب على هذا السؤال هو في وجود فيتو في مجلس الأمن لأن الولايات المتحدة أعلنت ذلك بوضوح. الموضوع ليس بتقديم حكم قيمي، إنه واقع. فإذا وُضِع فيتو فلن يصدر قرار. هذا ما حاولنا شرحه لأصدقائنا الفلسطينيين. فالطريق التي اختاروها ـ ويمكننا أن نتفهم ذلك، لست مصدوماً برؤية الفلسطينيين وهم يذهبون إلى الأمم المتحدة ـ مسدودة. تقول فرنسا: " فلنحاول العمل على نحو مختلف إذا أردنا حقاً الوصول إلى نتيجة". ولا يمكننا الوصول فوراً إلى نتيجة نهائية، أي الاعتراف بدولة ذات ممارسة كاملة. نحن نبدأ من هذه المرحلة الأولى، المهمة جداً، ألا وهي الدولة المراقبة. حتى أنه يتعين اعتماد هذا الأمر بالإجماع. الانطباعات كانت إيجابية من جانب الفلسطينيين. وهي حتى اللحظة موضع تساؤل من الجانب الأميركي.

التقى رئيس الجمهورية الفرنسية برئيس الوزراء نتانياهو الذي اطلع على هذه الاقتراحات بحذافيرها. ما هو مهم، هو أن الحوار ليس مقفلاً. يمكننا الاستمرار في التحدث عنها خلال الأيام المقبلة لأن آلية تحريك مجلس الأمن من قبل الفلسطينيين لن تؤدي في كل الأحوال إلى التصويت في مجلس الأمن غداً صباحاً.

هناك إجراءات ستستغرق عدة أسابيع. فلنستفد من هذه المدة لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استئناف عملية المفاوضات بما أن الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء يقولون: وحدها المفاوضات المباشرة بين الجانبين يمكنها السماح بالوصول إلى السلام وإذاً إلى أمن الدولتين.


سؤال ـ العديد من العرب سوف يقولون: نحن في عز الربيع العربي، فلماذا لا تعارض الجمهورية الفرنسية التهديد باستخدام الفيتو الأميركي في مجلس الأمن؟


جواب ـ لكن ما المقصود بقولك معارضة التهديد باستخدام الفيتو الأميركي؟

سؤال ـ القول بأنكم لستم موافقون وتأكيد الموقف الفرنسي بطريقة أكثر وضوحاً.


جواب ـ لكن ماذا يغير إذا قلنا بأننا لسنا موافقين؟ الأمر لا يتعلق باتخاذ مواقف معلنة، ومعاكسة الأطراف وإثارة التوترات والضغط. المطلوب تهدئة الأمور والعمل على العودة إلى الجلوس حول الطاولة. حق الفيتو هو حق الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. أكرر أننا اعتمدنا مسعى مختلفاً لأننا نشعر بأننا أصدقاء إسرائيل ونقول لإسرائيل: السبيل الوحيد لضمان أمنكم هو التحدث مع الفلسطينيين. كما نقول للفلسطينيين: " نحن أصدقاؤكم، إذاً لا تنغلقوا في إستراتيجية هي بمثابة مأزق. حاولوا الأخذ في الاعتبار الاقتراحات التي نقوم بها".

سؤال ـ هل أن فرنسا في صدد إعادة مطابقة سياستها الخارجية حيال العرب عموماً؟ ذلك انكم قلتم في تونس ، حيال الفلسطينيين خصوصاً، بأن دعم فرنسا التقليدي قد تغير. فهل أنتم في صدد إعادة مطابقته؟

جواب ـ مما لاشك فيه أن فرنسا أعادت مطابقة سياستها العربية.

سؤال ـ لماذا ؟

جواب ـ لأن ما جرى من أحداث أدت إلى قلب كل شيء. إنها أحداث لم نستشرف وقوعها. هنا اعترفنا ربما ببعض التقصير في الحدس من جانب الديبلوماسية الفرنسية. لم نستشرف رؤية الشعوب العربية بأنها ستتجاوز الأنظمة الاستبدادية التي لم تأخذ في الاعتبار تطلعاتهم إلى الحرية والديموقراطية. إنه نبأ عظيم بالنسبة إلينا، إنه فرصة مؤاتية.

ولهذا نحن ندعم اليوم البرامج الانتقالية في تونس ومصر. نتكلم كثيراً هنا، عما يجري في الشرق الأوسط لكني أود التذكير بأنني ترأست أمس، باسم فرنسا رئيسة مجموعة الـ 8 ، اجتماعاً مهماً جداً لشراكة دوفيل التي وضعت خطة طموحة للغاية. يمكننا بلوغ ما بين 70 و80 مليار دولار لصالح البلدان العربية التي هي في حالة انتقالية، أي تونس ومصر والمغرب والأردن وليبيا.

ترون إذاً بان سياستنا العربية أخذت هذا المنحى الجديد ونعتقد بأنه يتعين علينا السير في هذا الاتجاه عبر تشجيع الأخذ في الاعتبار تطلعات الشعب الفلسطيني.

سؤال ـ السيد الوزير، إذا سمحت لي، سنعرج على مسألة دوفيل بعد قليل ، وأود طرح سؤال آخر حول الفيتو الأميركي في مجلس الأمن. بالتأكيد هناك بعض العرب الذين سيقولون بأن فرنسا تحاول بالتأكيد توجيه سياستها الخارجية ومحورتها أكثر فأكثر وفق سياسة الولايات المتحدة حيال إسرائيل...

جواب ـ تحليلك يفاجئني كثيراً. إقرأ عنوان "نيويورك تايمز" اليوم: " فرنسا تقطع مع الولايات المتحدة حول سياستها في الشرق الأدنى".

سؤال ـ أنا لا أتحدث عن الإعلام الأميركي بل عن الإعلام العربي.

جواب ـ هذا يبرهن لكم أن واقعة يمكن أن تؤدي أحياناً إلى تفسيرات مختلفة. أعتقد بأن فرنسا تحاول، منذ البداية، القيام مقام الجسر، وليس اتخاذ موقف مؤيد لهذا وضد ذاك، ولكن بالقيام مقام الجسر بين الجانبين والقول لهما: " اجلسا حول الطاولة، أوقفا وضع شروط مسبقة قبل التفاوض". نحن نتحرك وفق هذه الروحية.

يجد البعض بأننا لا نعمل كفاية في اتجاه، والبعض الآخر يجد بأننا لا نعمل كفاية في الاتجاه الآخر. أعتقد بان هذا دليل على سيرنا في اتجاه صحيح.


سؤال ـ عن الربيع العربي: في تونس، قلتم أن الحركة الكبرى التي انطلقت شرارتها بدءاً من تونس وطاولت العالم العربي " تثير لدينا كفرنسيين الإعجاب والاحترام لأنه تلزم الشجاعة لهز أركان النظام المستبد والأمني".


جواب ـ فعلاً، كانت الشجاعة لازمة للشباب التونسي وللشباب المصري.

سؤال ـ لكن قبل بضعة أشهر على زيارتكم، كانت وزيرة الشؤون الخارجية والأوروبية وقبل ثلاثة أيام من سقوط بن علي لا تزال تبحث عن مساعدة سياسته الأمنية. فهل السياسة الفرنسية هي إعادة مطابقة أو إستلحاق؟

جواب ـ لقد أجبتكم عن هذا السؤال، وقلت ذلك أمام الملأ. لقد أعطينا مما لاشك فيه أهمية زائدة لما يسمى استقرار البلدان العربية، أي أننا سلفنا أكثر من اللازم أنظمة كانت تقول لنا بأننا أفضل حصن ضد التطرف والتعصب الديني. نحن إذاً قللنا من شأن إحباط الشعوب وتطلعها إلى الحرية والديموقراطية. إنه الواقع، إنه التاريخ، إنه الماضي. وعلينا ألا نعود إليه باستمرار.

أعتقد اليوم أن اتجاهنا واضح منذ عدة اشهر، وبدفع من رئيس الجمهورية، وأنا أنفذه في وزارة الشؤون الخارجية. هذا الاتجاه ثابت ويقودنا للقول لسورية: "سلوك النظام غير مقبول لأنه لا يجوز الرد على المتظاهرين السياسيين بالقمع والقنابل والتعذيب والاعتقالات".

سؤال ـ ما هي النظرة التي تحملونها عن مستقبل النظام في دمشق؟

جواب: أعتقد بأنه لم يعد لديه مستقبل، وهذا ما أقوله منذ عدة أشهر. وثمة آخرون قالوا ذلك من بعدي: الرئيس أوباما والعديد من ممثلي البلدان الأخرى لاسيما العربية قالوا ذلك أيضا. هذا سيستغرق وقتاً لأن الوضع في سورية ليس كما هو حال ليبيا، ولأن البلدان العربية بكل بساطة لم تطلب منا التدخل في سورية، كما طالبوا بذلك في ليبيا.

سؤال ـ هل تقومون بذلك في حال طلبوه منكم ؟

جواب ـ أعتقد بأن التدخل العسكري لا يطبق في كل الحالات. فالمجتمع السوري أكثر تعقيداً. إنه وضع خاص جداً، ثمة خطر وقوع حرب أهلية. على كل حال، نحن لم نستعمل لغة مزدوجة. قلنا ذلك بوضوح منذ البداية، إنه غير مقبول. لقد إتخذ الإتحاد الأوروبي عقوبات: منع السفر، تجميد الأصول المالية. نتمنى أن يقول مجلس الأمن كلمته وتعرفون أنني قلت حتى بان صمت مجلس الأمن كان إلى حد ما فضيحة.

إننا اقترحنا مرة أخرى مشروع قرار جديداً لإلزام النظام السوري وقف القمع وأعمال العنف وربما أيضاً محاولة إعطاء فرصة أخيرة للبدء بإجراءات إصلاحية، إنني لا أؤمن بذلك كثيراً. اليوم ذهب هذا النظام بعيداً. وعليه فالوضع الحالي معقد. حتى الآن لا تزال المعارضة غير منظمة. لا نعرف جيداً ما هو الحل البديل، وأخشى أن يستمر الوضع للأسف على حاله، فيسقط قتلى إضافيون أسبوعاً تلو أسبوع.

سؤال ـ ما تقولونه هو أن تدخلاً عسكرياً لحلف شمال الأطلسي جرى في ليبيا ـ ومن ضمنه فرنسا ـ ولكن في سورية يجب إعطاء مزيد من الوقت.

جواب ـ كلا، لم أقل ذلك، قلت أنه سيستغرق وقتاً لكني آسف لذلك، وليس هذا ما أتمناه. لقد قلت أنه ليس في نياتنا التدخل عسكرياً في سورية للأسباب التي أشرت بها إليكم. أنا لا أقول بإعطاء مزيد من الوقت بل يجب وقف المذابح في أسرع وقت ممكن. سؤال ـ وهل تعتقدون بأنه يكفي القول لنظام بشار الأسد "كفى" ؟ جواب ـ الدليل على أن هذا لا يكفي هو أن الأمر مستمر. يجب الصعود درجة والذهاب أبعد في مجلس الأمن لكي يصدر عن مجلس الأمن إدانة أقوى. بالإضافة إلى ذلك، نتمنى أن تساعدنا الدول العربية في هذه الإدانة، لا يمكننا القيام بكل شيء بمفردنا.

أذكركم بان القرار 1973 المتعلق بليبيا تقدمت به فرنسا والمملكة المتحدة ولبنان، هذا البلد العربي. هنا، في ما يخص سورية الظروف ليست ذاتها. فليتحمل كل منا مسؤولياته.

سؤال ـ كيف ترون مستقبل ليبيا؟ ثمة قلق، فهناك الإسلاميون والسلفيون وغيرهم... فما هي نظرتكم؟

جواب ـ لدى جميع المراقبين ثمة ميل طبيعي للقلق. ومن حين لآخر يتعين أيضاً منح الثقة للناس، للحياة وللمستقبل. في ما يخصنا، أنا واثق من مستقبل ليبيا. أولاً، لأن الوضع العسكري يتطور. وقوى السلطة الرسمية في ليبيا اليوم، أي المجلس الوطني الانتقالي، هي في صدد السيطرة شبه الكاملة على البلد. وهي تتقدم في آخر جيوب المقاومة. ومن الواضح أن نظام القذافي انتهى.

يمر مستقبل البلد بإعادة البناء، وهنا أعتقد أيضاً بوجود إشارات إيجابية. كنا الأسبوع الماضي مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء البريطاني في طرابلس، فالوضع أحسن مما تصوره البعض. لم تقع مجازر وتفجيرات وفوضى، الحياة تستعيد مسارها.

ويتولى المجلس الوطني الانتقالي الأمور تدريجياً، ونحن سنواكبه. بالطبع على الليبيين اختيار مستقبلهم بنفسهم، وبناء ليبيا الغد. نحن سنواكبهم لأنهم في حاجة إلى مساعدتنا وهم طلبوا منا ذلك.

تحدثت عن شراكة دوفيل. وستنخرط الأمم المتحدة في ليبيا لمساعدة الليبيين. وفرنسا مستعدة أيضاً لذلك على صعيدين: ـ على الصعيد السياسي، يجب وضع خريطة الطريق التي أعلنها المجلس الوطني الانتقالي موضع التنفيذ: أي الدستور والانتخابات الحرة والحكومة، ـ على الصعيد الاقتصادي، يجب القيام بإعادة البناء. ليبيا محظوظة لأنها بلد غني بسبب الأصول والموجودات الهائلة.


سؤال ـ ألهذا تدخلتم في ليبيا؟ أي لوضع اليد على أموال الليبيين؟ ليبيا بلد غني، وسورية ليست بلداً غنياً. فماذا أنتم فاعلون بكل ما يقال عن النفط الليبي ؟


جواب ـ كلا، أبداً. هذه الأموال ليست ملكنا، إنها ملك الشعب الليبي. كانت مصادرة من قبل النظام. في الماضي كان الوضع أكثر سهولة. ومع القذافي كان النفط موجوداً أيضاً. لقد تدخلنا ليس من اجل النفط.

سؤال ـ ألن يكون سعر النفط معقولاً أكثر؟

جواب ـ لا أدري، المستقبل سيقول كلمته. لا يرتبط سعر النفط بما جرى. هذه الفكرة السائدة بأننا تدخلنا من اجل النفط، لا يمكننا أن ننزعها من عقول قصيري النظر. لم نتدخل من أجل ذلك، نحن تدخلنا بكل بساطة من أجل إتاحة الفرصة للشعب الليبي لكي يتحرر. وبهذه الروحية بالذات نحن ندعم الثورة في تونس أو مصر حيث لحسن الحظ لم يحدث تدخل عسكري وجرت الأمور بشكل مختلف. ما يصدم فعلاً هو رؤية كيفية عمل بعض وسائل الإعلام. وأود أن أذكِّر بأن المقال الذي شرح بان فرنسا تلقت رسالة من المجلس الوطني الانتقالي يعدها فيها بنسبة 35 في المئة من الموارد النفطية الليبية هو فضيحة مزيفة.

لنضع ذلك جانباً. نحن هنا لمساعدة ليبيا. بالتأكيد إذا استعادت ليبيا غداً ازدهارها، وحققت ديموقراطية مستقرة قادرة على توفير فرص للعمل لشبابها، فالجميع سوف يستفيد. ، سوف تكون عنصر امن واستقرار يعنينا بشكل مباشر جداً. وإذا كانت لدينا في جنوب المتوسط بلدان تزداد فقراً وتشهد حالة من عدم الأمن والفوضى وموجات غير مضبوطة من المهاجرين، فلن يكون الأمر جيداً بالنسبة إلينا. في المقابل، إن ليبيا التي تشهد تطوراً، وتونس التي تتطور، ومصر التي تتطور، وتوفر العمل لأبنائها، هو أمر جيد لنا. لم يكن النفط سبب تدخل فرنسا. أصر على ذلك وأوقع.

سؤال ـ بعد أخطاء السياسة الخارجية الفرنسية في شمال أفريقيا عموماً وفي تونس خصوصاً فإن العلاقات التي ستتطور مع ليبيا سوف تريح موقف السياسة الخارجية الفرنسية في شمال أفريقيا.

جواب ـ هذا ما حدث . أود العودة إلى ما قلتم حول أخطاء السياسة الخارجية الفرنسية في شمال أفريقيا. من لم يرتكب أخطاء؟ يمكنني أن أعدد بلداناً مهمة جداً إرتكبت هي أيضاً أخطاء، ولم يروا الأشياء قبل حصولها. لم نرَ الحركة الكبرى التي أخذتنا على حين غرة، ولكن لا أعتقد أنه بالإمكان الإشارة بالبنان إلى فرنسا بشكل خاص أكثر من غيرها.

ثم تأقلمنا، أدركنا ان الوضع تطور ، وبكل بساطة، لا بد من تغيير طريقتنا في النظر إلى علاقة الإسلام بالديموقراطية. لقد أُفسِدنا بعض الشيء حين ظننا بان الإسلام لا يتوافق مع الديموقراطية، لا أعتقد بأن هذا صحيح. ثمة بلدان مسلمة متمسكة بإيمانها ودينها وهي قادرة تماماً على التطور الديموقراطي. المغرب،علي سبيل المثال، يعطي نوعاً من النموذج يجب دعمه.

سؤال ـ ما هي النظرة التي تحملونها حول مستقبل المغرب؟ حركة 20 شباط / فبراير الاحتجاجية مستمرة...

جواب ـ لا ديموقراطية من دون حركة احتجاجية. أنا واثق جداً بمستقبل المغرب. اتخذ الملك مبادرات قوية. أقترح تعديلاً عميقاً للطريقة التي سوف تعمل على ضوئها الملكية. إلى ذلك، فإن الاقتصاد المغربي يسير في اتجاه جيد ذلك انه مرتبط بالاقتصاد الأوروبي ويستفيد من وضعية متقدمة إزاء الإتحاد الأوروبي. اعتقد بأن المغرب قد إنطلق جيداً ونحن سوف نساعده، ولقد قلت ذلك قبل قليل بفضل شراكة دوفيل.

سؤال ـ إنكم تدعمون الإصلاحات الدستورية لكن في الوقت نفسه حركة 20 شباط / فبراير؟

جواب ـ الأمر لا يتعلق بدعم الحركات في النظام الديموقراطي. لن نتدخل في الأحزاب السياسية. ما نتمناه فقط هو دعم الأنظمة التي تأخذ في الاعتبار تطلعات شعبها. أسمحوا لي بلفت نظركم بأنه لم يتم استخدام الدبابات أو الطائرات لقمع المتظاهرين في المغرب. لسنا في ليبيا، لسنا في سورية. علينا عدم خلط كل الأشياء.

سؤال ـ هل ترون اختلافا جوهرياً بين ممالك العالم العربي والجمهوريات أو أن الأمر مجرد صدفة؟

جواب ـ أستنتج ببساطة وجود مملكتين، الأردن والمغرب، حيث أن الأمور تتحرك وكذلك الإصلاحات بينما في الأنظمة الأخرى، الأكثر استبدادا، لم يتم للأسف تجنب العنف.

سؤال ـ في موضوع الجزائر: هل عقد ما جرى في ليبيا العلاقات بين باريس والجزائر؟

جواب ـ كلا، التقيت مؤخراً في نيويورك زملائي الجزائريين وأجرينا حواراً واضحاً جداً. صحيح أنه حدث أن قلت بأن سلوك الجزائر إزاء المشكلة الليبية لم يكن واضحاً دائماً كما كنا نتمنى، لكن الجزائريين أوضحوا مواقفهم واعترفوا بالمجلس الوطني الانتقالي منذ بعض الوقت. إذاً لا يوجد حول هذه النقطة خلاف أساسي بين فرنسا والجزائر.

سؤال ـ لكن عندما نقول أن الربيع العربي يثير الآمال وكذلك التحديات لسياسة فرنسا الخارجية، فهل الجزائر هي جزء من هذه المعادلة، وهل تثير الأمل والتحدي؟

جواب ـ أريد القبول بالكلمتين، والقبول بالأمل بالتأكيد. الجزائر بالنسبة إلينا هي شريك أساسي حتماً للأسباب التي تعرفونها، ولو كان فقط نظراً لوجود جالية جزائرية كبيرة جداً ومع ذلك مندمجة جيداً. وندرك أيضاً بأن أمام هذا البلد تحديات يجب رفعها، وجيل هائل من الشباب...

سؤال ـ أردت القول بالتحديات بالنسبة لفرنسا هو ما يتعلق بالجزائر...


جواب ـ التحدي بالنسبة لفرنسا، هو أن تواجه الجزائر صعوبات، لاسيما التحدي الذي يشكله الجيل الشاب الكبير العدد الذي يتوجب إعطاؤه فرص عمل. هذا يخصنا بشكل مباشر: إذا توصلت الجزائر إلى التحكم بهذه المشكلة، سيكون هذا جيداً ،بالطبع، لاستقرار حوض المتوسط.

سؤال ـ نقطة أخيرة السيد الوزير، قضية شراكة دوفيل التي تحدثت عنها قبل قليل. إنها مبلغ من المال مهم جداً. هناك طبعاً، أصول مالية سواء لبن علي أو مبارك في مصر كانت قد جمدت في أوروبا. أليس من الأجدى بالنسبة إليهم هو استعادة أموالهم بدل طلب المساعدة؟

جواب ـ يجب تمييز الوضعين. ثمة موجودات يبدو أنها مختلسة يمتلكها النظامان التونسي والمصري، ثم هناك أصول مالية تم تجميدها من قبل مجلس الأمن تنفيذاً لقرار الأمم المتحدة والتي نحن في صدد رفع التجميد عنها. وسوف تتلقى ليبيا، على سبيل المثال، 15 مليار دولار تعود لها كانت قد صادرتها الأنظمة السابقة. هذه الأموال قد وضعت في تصرفها. الوضع مختلف في مصر، فهو بلد عدد سكانه 80 مليون نسمة، واقتصاده هش بسبب الأزمة والسياحة في انهيار. إذاً يجب حتماً مساعدة مصر. إذا لم ينطلق الاقتصاد من جديد، فمما لا شك فيه أن المرحلة الانتقالية سوف تكون أكثر صعوبة. ولهذا السبب قلنا للمصريين: " اقترحوا خطة عمل ـ عليكم أنتم اقتراحها ـ في مجال التعليم والتدريب والبنى التحتية وبناء دولة القانون، ونحن سوف نساعدكم". هذا ما فعلناه، وأستطيع أن أقول لكم بأننا توصلنا أمس إلى إقامة جهاز سيكون الآن عملانياً بشكل سريع جداً.

سؤال ـ مع اقتراب موعد الانتخابات في تونس، هل لديكم آمال ومخاوف تتعلق بالعملية السياسية في هذا البلد؟

جواب ـ لدينا دائماً مخاوف. قلت ذلك سابقاً، لأن هذه الحركة الكبرى التي تجتاز العالم العربي تحمل مخاطر ونرى جيداً أنه يمكن ان تنشأ حركات متطرفة تستغل الوضع لمصادرة السلطة ، لاسيما في حال التدهور المحتمل للوضع الاقتصادي. دورنا إذا هو تشجيع دولة القانون ومساعدة الديموقراطية على التفتح، وإقرار التعددية السياسية ووجود أحزاب عديدة وانتخابات. هذا ما يجري في تونس. لا يجب تجاهل المخاوف، لا يجب أن نكون عمياناً. ثمة مخاطر وأخطار، لكن فلنحاول خصوصاً تركيز الأضواء الكاشفة على الفرصة المؤاتية لرؤية هذا البلد يقترب من دولة القانون الحقيقية ومن اقتصاد متنامٍ.

سؤال ـ هل تعتقدون بان الحكومة في تونس ممسكة بالوضع الأمني؟

جواب ـ بالطبع في ظل الصعوبات التي نعرفها، أعتقد اليوم بان تونس تمسك عموماً بالوضع الأمني، وان الحكومة التي ستخرج بعد الانتخابات ستحوز على شرعية أقوى بالطبع. هذه الحكومة الشرعية يمكنها ضمان الأمن الذي هو جزء من أي نظام ديموقراطي. الحرية والأمن هما من المبادئ الأساسية في كل ديموقراطية.

سؤال ـ في النهاية، هل إستلحقت فرنسا حالها في العالم العربي؟


جواب ـ هذه ليست صيغتي بالضبط. أعتقد بأن فرنسا كانت شجاعة، وجريئة، وهي احد أكثر البلدان الذي خاطر جداً. خاطرنا إلى الحد الأقصى وربحنا. إذ حين أرى الاستقبال الذي حظي به نيكولا ساركوزي في بنغازي وطرابلس، أرى جيداً بان الشعوب العربية قد فهمت بان فرنسا كانت إلى جانبهم.

تم النشر في 28/09/2011

اعلى الصفحة