ألمانيا وفرنسا في خدمة أوروبا الآن أكثر من أي وقت مضى!

باريس، 21 كانون الثاني/يناير 2013

JPEG

في الذكرى السنوية الخمسين لمعاهدة الإيليزيه – مقال مشترك بين السيد لوران فابيوس والسيد غيدو فيسترفيله في صحيفتي "لوموند" و " فرانكفورتر الجماينز تسايتونغ -FAZ "

ألمانيا وفرنسا في خدمة أوروبا الآن أكثر من أي وقت مضى!
"كان بلدانا خصمين، أو منافسين، بل حتى "عدوين بالوراثة" مدة قرون. وشهدت علاقاتهما الحقبة الأكثر مأساوية إبّان الحربين العالميتين، ولا سيما مع الجرائم التي ارتكبها النظام الاستبدادي النازي. ولا بد من إدراك هذا البعد التاريخي من أجل التحلي بالشجاعة والجرأة اللتين أبداهما كونراد آدناور وشارل ديغول من خلال التوقيع على معاهدة الإيليزيه في 22 كانون الثاني/يناير 1963.

ومع أن نص المعاهدة مقتضب وزخم فإن مضمونها شبه ثوري، فهو ينص على أن ألمانيا وفرنسا تلتزمان "بالتوصل قدر الإمكان إلى موقف مماثل" في جميع القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية الهامة، لا أكثر ولا أقل.
ولا تزال المعاهدة معاصرة بعد مرور خمسين سنة على توقيعها، فالتوجهات الواردة في ديباجتها، أي المصالحة والشباب والتضامن وأوروبا، تصف جوهر شراكتنا الحالية. وأتاحت المعاهدة على مر السنين، بغض النظر عن صروف الحياة اليومية، إنشاء تقارب وصداقة لا يتشاطرها إلا قلة من الشعوب.

وبإمكان صداقة عميقة أن تحل محل عداوة دامت قروناً، هذه هي رسالة معاهدة الإيليزيه التي تتسم بالبعد العالمي. إذ إننا أنجزنا المصالحة بين الألمان والفرنسيين، وتبين استطلاعات الرأي اليوم أن أكثر من 85٪ من مواطني بلدينا يتمثلون البلد المجاور بصورة جيدة أو جيدة جداً.

ولدينا كتاب تاريخ مدرسي مشترك، ولواء فرنسي-ألماني، وقناة تلفزيون ثنائية القومية أي قناة آرتي (Arte)، والعديد من المؤسسات المعنية بالحوار والاندماج بين شعبينا. ويضاف إلى ذلك العلاقات الوثيقة بين سكان البلدين، فهنالك ما يفوق الألفي اتفاق توأمة بين المدن الألمانية والفرنسية التي تساهم بعزم في تعزيز عمليات التبادل الاجتماعي والثقافي بيننا. كذلك فإن اقتصادينا مرتبطان ارتباطاً وثيقاً.

بيد أنه يتعين علينا ألا نسلم بالوهم بأن الأمور تجري من تلقاء ذاتها، فما كان صحيحاً بالأمس لا يزال صحيحاً اليوم: إن الشباب هو عماد مستقبلنا المشترك. ولم تنفك مهمتنا تتمثل في جعل الشباب في البلدين يفهمون المنفعة والأهمية الكامنتين في التعرف على الجار. وبفضل جهود منظمة الشباب الفرنسي-الألماني تمكّن ملايين الشباب الألمان والفرنسيين من اللقاء، وإننا مستمرون في هذا النشاط.

وتقوم صداقتنا على ركن متين من القيم المشتركة، وإننا ملتزمون في بلدينا كما في الإطار الدولي بالعمل من أجل تحقيق الحرية والتسامح ومساعدة الفئات الأضعف وحماية التنوع الثقافي. بيد أنه خلال الخمسين سنة الماضية، كانت مواقف ألمانيا وفرنسا تتباين أحياناً فيما يخص حل مسائل هامة تهم الطرفين. ولكننا اثبتنا أننا قادرون على فهم موقف الطرف الآخر وأننا مستعدون للتوصل إلى حل يرضي الطرفين. وتريد ألمانيا وفرنسا مواصلة التصدي معاً، بروح التضامن والتراضي، للتحديات الكبيرة التي نواجهها في زمننا، بغية تحقيق النمو والازدهار، وتشجيع الابتكار والتعليم، وحماية البيئة، وضمان تزويد الطاقة الآمنة المستدامة، والتعاطي مع المسائل المستجدة في عصر المعلوماتية، ووضع التزامنا بتحقيق السلام والأمن والاستقرار في العالم موضع التنفيذ. وتتشاطر ألمانيا وفرنسا العزم ذاته على السعي من أجل تمكين مالي من تحقيق الحرية والديمقراطية وتقرير مصيرها. وسنساهم مساهمة هامة في مستقبل هذه الدولة الأفريقية مع شركائنا في الاتحاد الأوروبي.

وتقع أوروبا في صميم تعاوننا الآن أكثر من أي وقت مضى. فلولا عزمنا وعملنا المشترك لكان نجاح الاتحاد الأوروبي بما في ذلك السوق الموحدة والعملة المشتركة مروراً بالتنقل الحر للأشخاص والممتلكات أمراً مستبعداً. وإننا نريد الاستمرار في وضع الصداقة الفرنسية-الألمانية في خدمة هذا المشروع وندعو من يرغب في ذلك إلى الانضمام إلينا. وقد التزمت بولندا إلى جانبنا، في إطار مثلث فايمر، التزاماً تاماً بالسعي إلى تحقيق الاندماج الأوروبي. ويمكن أن تتألف مجموعة أولى من الدول الراغبة في ذلك، ولكن إمكانية أوروبا "حسب الطلب"، التي يطالب البعض فيها بالامتيازات التي يوفرها الاتحاد الأوروبي دون الامتثال للموجبات التي يفرضها الاتحاد، غير واردة في الحسبان.
إن التحديات التي يتعين علينا التصدي لها جسيمة، فعلى الصعيد الاقتصادي تبقى الأولوية متمثلة في تجاوز الأزمة والتغيرات الاقتصادية، من خلال تشديد المالية العامة ولكن أيضاً عبر دعم النمو والتضامن كي نتمكن من إنعاش الاقتصاد الأوروبي وتوطيد مكانة أوروبا في مواجهة التنافس على الصعيد العالمي. ولكي نتمكن من تأكيد حضورنا في العالم المتعدد الأقطاب في القرن الحادي والعشرين، علينا أن نكون مستعدين لتحديث اقتصادينا ومجتمعينا باستمرار، ولكن أيضاً أن نواصل بناء البيت الأوروبي وتهيئته ليكون أكثر مقاومة للأزمات.

وإننا عازمون على مكافحة خطر تآكل الاتحاد الأوروبي، فإن الميول نحو الشعبوية والتعصب القومي تعاظمت بصورة مقلقة بفعل الأزمة الاقتصادية. وإننا نرد عليها بالالتزام الفرنسي-الألماني إزاء أوروبا. ويمكن لعلاقتنا الممتازة عامةً أن تؤدي أكثر من أي وقت مضى دور المحرك لأوروبا. وإننا على قناعة، بصفتينا وزيرا الشؤون الخارجية ومواطنان أوروبيان، وفي سياق مختلف، بأنه يتعين صون وتمديد نهج "استحضار أوروبا" الذي كان متأصلاً في الجيل الذي عاصر الحرب وما بعد الحرب. ولا تمثل أوروبا المشكلة في مواجهة الأخطار التي يتعين علينا التصدي لها، بل على خلاف ما يُدّعى أحياناً، يجب أن تمثل أوروبا الحل. ولهذا الغرض لا بد من إجراء تحسينات في أوروبا ويتعين علينا قيادة هذه العملية. إننا نرغب في العمل لمصلحة أوروبا تلبي طموحات الشعوب على أكمل وجه، كي لا تبدو وكأنها تكلفة وإنما عملية تقدم يستفيد منها مواطنونا في حياتهم اليومية من خلال قدر كبير من الحرية والازدهار والأمن. هذا ما كان كونراد آدناور وشارل ديغول ليقولاه لنا اليوم.
تحيا الصداقة الفرنسية-الألمانية!"

تم النشر في 23/01/2013

اعلى الصفحة